للساكنين قرب "الريزو".. هل يشكل خطرا على صحتكم؟
على الرغم من انزعاج كثيرين ممن يسكنون على مقربة من اللواقط الهوائية الخاصة بشركات الاتصالات، والتي نسميها في أحيائنا الشعبية بـ"الريزو"، وربطهم بينها وبين أمراض كثيرة، خصوصًا السرطانية منها، دون وجود بينة علمية ثابتة، فإن هذا الموضوع يدفع أحيانًا إلى تشنجات اجتماعية تتحول، مع مرور الوقت، إلى احتجاجات منظمة أو عفوية للمطالبة بإزالة هذه اللواقط.
فهل يشكل الاستقرار على مقربة من لاقط هوائي مثبت فوق بناية سكنية أو بشكل معزول تهديدًا مباشرًا للصحة، ويرفع من احتمالات الإصابة بأمراض خطيرة؟
الأدلة العلمية المتوفرة حاليًا، علمًا بأن الأبحاث في هذا المجال ما تزال متواصلة، تشير إلى أن الإجابة سلبية. فأبراج الاتصالات تستخدم موجات الترددات الراديوية (RF) لإرسال واستقبال الإشارات من الهواتف المحمولة. وهذه الموجات من الإشعاع "غير المؤين"، أي إنها لا تمتلك طاقة كافية لتدمير الحمض النووي مباشرة، بخلاف أنواع الإشعاع المؤين، مثل الأشعة السينية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية، في تقاريرها، أن التأثير الصحي للتعرض لموجات الترددات الراديوية عند مستويات مرتفعة جدًا يتمثل في تسخين أنسجة الجسم، بينما تكون مستويات التعرض الناتجة عن أبراج الاتصالات في الأماكن التي يمكن للجمهور الوصول إليها منخفضة جدًا.
وأوضحت المنظمة كذلك أن الدراسات التي بحثت العلاقة بين أجهزة إرسال الترددات الراديوية والسرطان لم تقدم دليلًا على زيادة خطر الإصابة بالسرطان بسبب التعرض لها. وعلى الرغم من أن شدة الموجات تكون أكبر بالقرب من مصدرها وتنخفض سريعًا مع المسافة، فإن الوصول إلى المناطق القريبة جدًا من هوائيات الإرسال يكون مقيدًا عندما يمكن أن تتجاوز مستويات التعرض الحدود المسموح بها.
ويعني ذلك، وفق التقارير ذاتها، أن وجود برج اتصالات قريب من منزلك لا يعني تلقائيًا أنك تتعرض لمستويات مرتفعة من الموجات. فموقع الهوائيات وارتفاعها واتجاهها وقوة الإرسال، كلها عوامل مهمة في تحديد مستويات التعرض.
ولا يختلف الأمر، وفق المعطيات المتاحة، مع شبكات الجيل الخامس (5G) كما قد يظن البعض، إذ إن مستويات التعرض من البنية التحتية لشبكات الجيل الخامس عند الترددات المستخدمة حاليًا تكون مشابهة لتلك الناتجة عن أبراج الاتصالات الموجودة بالفعل.
من جهتها، تؤكد جمعية السرطان الأميركية أن الأدلة المتعلقة بوجود علاقة بين السكن أو العمل بالقرب من أبراج الاتصالات والإصابة بالسرطان ما تزال محدودة، رغم الحاجة إلى إجراء مزيد من الأبحاث. وتضيف أن الدراسات التي أجريت على البشر لم تجد ارتباطًا واضحًا بين التعرض لموجات الترددات الراديوية الصادرة عن الهواتف والأبراج وخطر الإصابة بالسرطان.
ويوضح خبراء الجمعية المتخصصة أن موجات الترددات الراديوية الصادرة عن الهوائيات تكون موجهة بشكل أساسي نحو الأفق، وتنخفض طاقتها بسرعة مع الابتعاد عن الهوائي، ولذلك تكون مستويات التعرض عند سطح الأرض بالقرب من أبراج الاتصالات أقل بكثير من الحدود المقررة للسلامة.
أما وزارة الصحة والحماية الاجتماعية المغربية، فأكدت، بخصوص مخاطر اللواقط الهوائية لشركات الاتصالات بالمغرب، أن "منظمة الصحة العالمية، بتوافق مع مخرجات الخبرات التي تقوم بها اللجنة الدولية للحماية من الإشعاع غير المؤين (ICNIRP)، وعلى ضوء المعطيات العلمية المنشورة في المجلات المفهرسة، لم يسبق أن قدمت دليلًا قاطعًا ونهائيًا على ضرر المجالات الكهرومغناطيسية المنبعثة من هذه المحطات، ولم تثبت إلى حد اليوم أي علاقة سببية قاطعة بين هذه اللواقط والأمراض المحتملة".
وأوضحت الوزارة أن "تشغيل الهاتف المحمول يتطلب إنشاء محطات قاعدية وتثبيت لواقط هوائية، كما هو معمول به في بلادنا على غرار دول العالم، وهذه المحطات تعتمد في اشتغالها على ترددات الراديو وتولد إشعاعًا كهرومغناطيسيًا غير مؤين".
وأشارت إلى أن "التطور المذهل لهذه التقنية دفع الشركات العاملة في المجال إلى تكثيف شبكاتها وزيادة عدد المحطات الأساسية، مما أثار قلقًا كبيرًا بين السكان، خصوصًا فيما يتعلق بتأثيرها الضار المحتمل على الصحة".
وبموجب المبدأ الوقائي، تقوم اللجنة الدولية للحماية من الإشعاع غير المؤين بمتابعة دورية للمعطيات العلمية في هذا المجال، وتنشر بشكل دوري توصياتها لدول العالم لتجنب التأثيرات المحتملة لهذا النوع من الإشعاعات على صحة الإنسان. وفي هذا الصدد، حددت اللجنة قيمًا عددية لمستويات التعرض التي تعتبرها آمنة ما لم يتم تجاوزها.
في المقابل، ربطت مصادر حقوقية مغربية الاحتجاجات التي تندلع ببعض المواقع من وقت لآخر، تنديدًا بوضع اللواقط الهوائية، بغياب التوعية والتشريعات القانونية الصارمة، وترك التأويلات والهواجس على عواهنها، إلى جانب إثارة الموضوع لغايات غير بريئة، معتبرة أن ذلك يشكل سببًا رئيسيًا في تأجيج المواطنين وخلق النعرات والاحتجاج على اللواقط الهوائية.
وشددت المصادر ذاتها على أن الدراسات العلمية الصادرة عبر العالم لم تثبت وجود أضرار صحية مباشرة ناجمة عن ذبذبات اللواقط الهوائية، سواء على المدى المتوسط أو البعيد، مؤكدة أن الالتزام بالتدابير والمعايير التقنية اللازمة من شأنه الحد من مستويات التعرض وضمان احترام الحدود المعتمدة للسلامة.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.