في آخر يوم للساعة الإضافية.. كيف غيّرت GMT+1 إيقاع حياة المغاربة؟
بعد قرابة ثماني سنوات من اعتماد توقيت غرينيتش زائد ساعة بشكل شبه دائم، يطوي المغرب ابتداء من فجر الأحد 20 شتنبر 2026 صفحة واحدة من أكثر القرارات ارتباطا بالتفاصيل اليومية للمغاربة. ففي الساعة الثانية صباحا سيتم تأخير الساعة بستين دقيقة والعودة نهائيا إلى توقيت غرينيتش، بموجب المرسوم رقم 2.26.530، الذي ينسخ مرسوم أكتوبر 2018 الذي أضاف ستين دقيقة إلى الساعة القانونية للمملكة. وبذلك تنتهي تجربة بدأت في 28 أكتوبر 2018 وظلت، طوال سنوات، موضوع نقاش صحي واجتماعي وتربوي متواصل.
ولم يكن الجدل حول GMT+1 في المغرب مرتبطا بمجرد تقديم عقارب الساعة، بل بما أحدثه من تغيير في العلاقة بين «الوقت الرسمي» والوقت الذي تفرضه دورة الشمس، خصوصا خلال أشهر الشتاء. ففي عدد من مناطق المملكة أصبح جزء مهم من النشاط اليومي يبدأ في وقت تكون فيه الإضاءة الطبيعية محدودة، بينما ظل موعد الاستيقاظ والعمل والدراسة مرتبطا بالساعة الإدارية. وهذه الفجوة بين الزمن الاجتماعي والزمن الطبيعي شكلت جوهر كثير من الانتقادات التي رافقت القرار منذ 2018.
ويظهر هذا الإشكال بشكل خاص عند الحديث عن الساعة البيولوجية والنوم. فالإيقاع اليومي للجسم يتأثر بدرجة كبيرة بتعاقب الضوء والظلام، ويساعد الضوء الصباحي على ضبط الساعة الداخلية المسؤولة عن النوم والاستيقاظ وعدد من الوظائف الهرمونية والاستقلابية. وتشير أدبيات طب النوم إلى أن تقديم الوقت الاجتماعي ساعة مقارنة بالتوقيت الشمسي قد يعني بالنسبة لبعض الأشخاص تعرضا أقل للضوء في الصباح وأكثر للضوء مساء، وهو ما يمكن أن يؤخر النوم بينما يظل وقت الاستيقاظ ثابتا بسبب الدراسة أو العمل.
ولا يمكن إسقاط نتائج الدراسات الأجنبية بشكل آلي على جميع المغاربة، لأن أنماط العمل والمناخ وأوقات الدراسة تختلف بين البلدان، غير أن المؤشرات العلمية تساعد على فهم طبيعة المشكلة. مراجعات طبية ربطت التوقيت المتقدم وقلة النوم واضطراب الإيقاع اليومي بارتفاع مخاطر صحية على المدى الطويل تشمل السمنة وأمراض القلب والأوعية وبعض الاضطرابات الاستقلابية، فيما تكون التأثيرات أكثر وضوحا لدى من يضطرون للاستيقاظ مبكرا. وتشير بيانات أمريكية استندت إليها دراسات حديثة إلى فقدان العامل البالغ في المتوسط نحو 19 دقيقة من النوم يوميا عندما يكون الشروق والغروب متأخرين ساعة، وترتفع الخسارة إلى نحو 36 دقيقة لدى من يبدأون العمل قبل السابعة صباحا.
أما التلاميذ والمراهقون فكانوا في قلب النقاش المغربي حول الساعة الإضافية. فالمراهقة مرحلة تتجه فيها الساعة البيولوجية طبيعيا نحو النوم والاستيقاظ في وقت متأخر نسبيا، وعندما يقترن ذلك بدخول مدرسي مبكر يصبح الحصول على مدة نوم كافية أكثر صعوبة. وقد أظهرت دراسة على تلاميذ الثانوي انخفاض مدة النوم بأكثر من نصف ساعة تقريبا بعد تقديم الساعة، مصحوبا بارتفاع النعاس خلال النهار وتراجع مؤشرات الانتباه، في حين أظهرت أبحاث أخرى أن تأخير بداية الدراسة ولو بنحو 25 دقيقة قد يزيد مدة نوم المراهقين ويحسن اليقظة خلال اليوم.
وفي المغرب أضاف هذا الوضع بعدا آخر يتعلق بـالإيقاعات الزمنية المدرسية. فمنذ اعتماد GMT+1 اضطرت المنظومة التعليمية في أكثر من مناسبة إلى تكييف مواقيت الدخول والخروج، خصوصا خلال فصل الشتاء وشهر رمضان، كما اختلف التطبيق العملي أحيانا باختلاف المؤسسات والمناطق وظروف النقل والمسافة بين المدرسة ومحل السكن. وأصبح النقاش لا يتعلق فقط بعدد ساعات الدراسة، وإنما أيضا بالساعة التي يبدأ فيها التلميذ يومه فعليا: وقت الاستيقاظ، والخروج من البيت، والنقل المدرسي، والوصول إلى المؤسسة، ثم العودة مساء.
هذا التفاوت كان أكثر حساسية في المناطق التي يقطع فيها التلاميذ مسافات طويلة أو يعتمدون على النقل العمومي والمدرسي، وفي الأسر التي يبدأ فيها الآباء عملهم في وقت مبكر. لذلك لم يكن أثر الساعة الإضافية متساويا بين الجميع؛ فالتلميذ الذي تقع مدرسته قرب منزله ليس في الوضع نفسه مع تلميذ يستيقظ قبل السابعة للوصول إليها، كما أن العامل الذي يملك هامشا في اختيار وقت دخوله ليس كمن يفرض عليه عمله الحضور في وقت مبكر. وتؤكد أدبيات النوم بدورها أن الفئات ذات الجداول الصباحية الصارمة تكون أكثر عرضة لخسارة النوم والاختلال بين الوقت الاجتماعي والساعة البيولوجية.
وانعكس اعتماد GMT+1 أيضا على المصالح الإدارية والحياة الاقتصادية. فقد أصبح توقيت الإدارات والمدارس والشركات والنقل والحياة الأسرية جميعها مضطرة إلى التكيف مع ساعة رسمية متقدمة، بينما ظلت أوقات الصلاة والشروق والغروب مرتبطة بالحركة الفعلية للشمس. وكانت هذه الهوة أكثر وضوحا في الشتاء، قبل أن تزداد التعقيدات خلال شهر رمضان، حين كان المغرب يوقف العمل بالساعة الإضافية مؤقتا ثم يعيدها بعد نهاية الشهر. وفي سنة 2026 مثلا أعيد توقيت غرينيتش يوم 15 فبراير قبل رمضان، ثم أضيفت الساعة مجددا يوم 22 مارس.
ومن الناحية العلمية، لا يعني ذلك أن كل مشكلة في النوم أو الصحة أو التحصيل الدراسي عرفها المغرب خلال السنوات الثماني سببها GMT+1. فالنوم يتأثر أيضا باستعمال الهواتف والشاشات، وأوقات العمل، والعادات الأسرية، والضجيج، والنقل، والظروف الاجتماعية وغيرها. كما أن معظم الدراسات المتوفرة حول التأثير الصحي للتوقيت الصيفي أُنجزت في الولايات المتحدة وأوروبا، وليس في المغرب. لكن ما توفر من أبحاث يجعل مسألة التوافق بين التوقيت الرسمي والضوء الطبيعي عاملا صحيا حقيقيا يستحق أن يؤخذ بعين الاعتبار عند وضع سياسات العمل والدراسة.
ومع العودة إلى توقيت غرينيتش، تنتهي إذن تجربة دامت من أكتوبر 2018 إلى شتنبر 2026، لكن تقييمها الحقيقي يحتاج إلى ما هو أبعد من الانطباعات المؤيدة أو الرافضة. فالمرحلة المقبلة يمكن أن توفر فرصة لقياس ما إذا كانت العودة إلى GMT ستنعكس فعليا على مدة نوم التلاميذ والعمال، والحضور المدرسي، وحوادث السير، والإنتاجية وجودة الحياة. وبعد قرابة ثماني سنوات كان فيها توقيت المغاربة موضوع نقاش متكرر، يصبح السؤال الأهم ليس فقط لماذا ألغيت الساعة الإضافية، بل ما الذي يمكن أن تتعلمه السياسات العمومية من تجربة مست الحياة اليومية لملايين المغاربة؟

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.