بوسحابة يكتب: "طنجة… وبزااااف على فلسطين..!!"
ليس كل من رفع شعار فلسطين خرج من أجل فلسطين وحدها، وليس كل من احتمى بوجع غزة كانت غايته نصرة أهلها. ففي طنجة، حيث تتكرر الاحتجاجات تحت عنوان التضامن مع الشعب الفلسطيني، لم يعد السؤال متعلقاً بمشروعية التضامن، بل بما قد يُراد تمريره من خلاله، وبالأهداف التي قد تختبئ خلف شعارات تستمد قوتها من عدالة قضية راسخة في وجدان المغاربة. فحين تتحول قضية عادلة إلى مدخل للتعبئة السياسية، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل: هل يتعلق الأمر بفلسطين وحدها، أم أن هناك ما يتجاوزها؟
حين يُرفع شعار "لا للتطبيع" لتأطير هذه التحركات، يبرز سؤال ملح حول ما إذا كان رفض التطبيع غاية في حد ذاته، أم وسيلة لإرباك الدولة والضغط عليها عبر خلق التوتر واستدراج المواجهة مع القوات العمومية. فاستفزاز الأمن، متى كان مقصوداً، قد يتحول إلى مدخل لصناعة صورة قاتمة عن الدولة ومؤسساتها، وتحويل ردود الفعل إلى مادة للتجييش والتأليب. وفي زمن المنصات الرقمية، تكفي صورة مجتزأة أو رواية أحادية لتوجيه المتلقي وصناعة انطباع قد يسبق الحقيقة، خصوصاً حين يجري تضخيم المواجهات وتقديمها خارج سياقها.
وتزداد خطورة هذا التوظيف حين تُستحضر الشعارات الدينية، ويُدفع بالشيوخ والأطفال إلى واجهة المشهد، بما يجعل العاطفة أداة ضغط، ويحوّل مساءلة أساليب الاحتجاج إلى ما يشبه الإساءة إلى الدين أو الطعن في التضامن مع فلسطين. وهنا تتقاطع التعبئة الميدانية مع حرب الصورة والخطاب، إذ تلعب بعض المنابر الإعلامية دوراً يتجاوز نقل الأحداث إلى التحريض والتجييش وتأجيج الاحتقان، عبر تضخيم المواجهات وتغذية الغضب ضد مؤسسات الدولة. كما أن وجود قوى إقليمية تمتلك إمكانيات مالية وإعلامية وشبكات نفوذ يطرح تساؤلات مشروعة حول محاولات التأثير في الداخل المغربي، وحول الجهات التي قد تستفيد من استمرار التوتر. وفي هذا السياق، يظل الدور التعبوي لتنظيمات ذات مرجعية إيديولوجية، أبرزها "الجماعة" المعروفة، موضوعاً يستحق النقاش بشأن حساباتها وأهدافها السياسية.
أما رفض التطبيع، فهو موقف سياسي يحق لأصحابه التعبير عنه سلمياً، لكنه لا يمنح أحداً حق تحويل الشارع إلى أداة للضغط على الدولة أو جعل الاستقرار الوطني رهينة صراع مفتوح. فقرار استئناف المغرب علاقاته مع إسرائيل سنة 2020 قرار سيادي، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا حوله، كما أن التضامن المغربي مع فلسطين لم يبدأ مع الاحتجاجات ولن يتوقف بانتهائها. والمغرب، الذي ظل حاضراً في دعم الفلسطينيين، واصل تقديم المساعدات الإنسانية إلى غزة، ووصلت مساعداته إلى السكان في ظروف الحصار وتعقيدات إيصال الإغاثة. لذلك، فإن اختزال الموقف المغربي في التطبيع وحده يتجاهل تاريخاً من الدعم العملي، كما أن احتكار التضامن مع فلسطين لا يمنح أي جهة حصانة من المساءلة.
لكل ما سبق، يمكن القول أن ما يجري بطنجة بشكل مستمر ومنظم يفرض كثيرا من اليقظة والحذر من الانسياق وراء الشعارات الرنانة والخطابات العاطفية قبل التساؤل عن خلفياتها والجهات التي قد تستفيد منها. فالمطلوب ليس الاختيار بين المغرب وفلسطين، بل رفض تحويل التضامن مع الشعب الفلسطيني إلى وسيلة لتأجيج الشارع أو إرباك الدولة أو خدمة أجندات تتجاوز المعلن. وهنا يبقى السؤال الأهم: لماذا هذا الإصرار على تكرار الاحتجاجات في طنجة بهذا الإيقاع وفي هذا التوقيت بالذات، وما الذي يجعل هذا الملف يُستثمر بهذه الكثافة في الساحة المغربية فقط دون غيرها من الدول العربية والإسلامية؟ أسئلة لا تكفي الشعارات للإجابة عنها، بل تحتاج إلى قراءة واعية للسياق والنتائج. ففلسطين تستحق دعماً صادقاً لا توظيفاً سياسياً، والمغرب يستحق أن توضع مصلحته واستقراره فوق كل اعتبار.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.