أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
لم يكن اعتزال الحكمة الدولية المغربية "بشرى كربوبي" مجرد خبر رياضي عابر يمكن المرور عليه في سطر سريع داخل نشرات الأخبار، ولا حدثا تقنيا يرتبط بتغيير أسماء في لوائح التحكيم، بل بدا كصفعة قوية هزّت الوسط الكروي المغربي من الداخل، وفتحت بابا واسعا من الأسئلة الثقيلة حول ما يجري خلف كواليس منظومة يُفترض أنها تُنتج الكفاءات وتحميها، لا أن تدفع بها إلى الانسحاب في لحظات الذروة.
في خضم الجدل المتواصل الذي رافق هذا الموضوع، خرج الزميل الصحفي "محمد الروحلي" برسالة قوية ومؤثرة دقّ من خلالها ناقوس الخطر بشأن الوضع النفسي الصعب الذي تعيشه الحكمة الدولية المغربية "بشرى كربوبي"، بعد قرار اعتزالها المفاجئ الذي شدد كثيرون على أنه جاء تحت وطأة ضغوط متراكمة داخل منظومة التحكيم.
الرسالة التي نشرها الروحلي عبر حسابه على الفيسبوك تحت عنوان:"اعتزال كربوبي.. والصمت المريب"، لم تترك مساحة للقراءة السطحية، بل فتحت الباب أمام أسئلة ثقيلة حول ما يجري داخل كواليس التحكيم المغربي، معتبرة أن ما وقع يتجاوز مجرد خلاف إداري أو سوء تفاهم عابر، ليصل إلى مستوى أزمة أعمق مرتبطة بالمناخ العام داخل الجهاز التحكيمي.
في سياق متصل، أشار "الروحلي" في رسالته إلى أن وصول حكمة بحجم كربوبي إلى مرحلة الإرهاق النفسي واختيارها الاعتزال في عز العطاء، يشكل مؤشرا مقلقا على وجود ضغوط خفية ومعاناة غير مُعلنة، في وقت يطغى فيه الصمت الرسمي على أي محاولة لتفسير ما حدث أو فتح نقاش جدي حول أسبابه.
ويظل ملف حضور المرأة المغربية في مختلف المجالات، ومن بينها المجال الرياضي (التحكيم)، مرتبطا بتوجيهات واهتمام خاصين من جلالة الملك محمد السادس، الذي ما فتئ يؤكد في أكثر من مناسبة على ضرورة تمكين المرأة وتعزيز مكانتها داخل المجتمع، بما يفتح آفاقا أوسع أمامها للنجاح والتأثير. غير أن واقع الحال، وفق متابعين، يطرح أكثر من علامة استفهام حين يتعلق الأمر ببعض الحالات البارزة، وعلى رأسها قضية "بشرى كربوبي"، التي تُعتبر اليوم واحدة من أبرز الوجوه النسائية التي شرفت التحكيم المغربي قاريا ودوليا.
فكربوبي لا تمثل مجرد حالة فردية داخل منظومة التحكيم، بل تُعد قاطرة وقدوة لجيل جديد من الشابات المغربيات الطامحات إلى ولوج عالم الصافرة وصناعة مسار مهني داخل مجال ظل لسنوات حكرا على الرجال. ومن هذا المنطلق، فإن أي اهتزاز أو انسحاب أو تراجع لرمزية بحجمها لا يظل محصورا في شخصها فقط، بل يمتد أثره إلى صورة أوسع مرتبطة بثقة الأجيال الصاعدة في إمكانية النجاح والاستمرارية.
ويعتبر هؤلاء أن تحطيم القدوة في مثل هذه الحالات قد يبعث برسائل سلبية، مفادها أن الطريق داخل هذا المجال ليس دائما واضحا أو محميا، وهو ما قد ينعكس على دينامية انخراط المرأة في التحكيم مستقبلا.
وفي خضم هذا الجدل المتصاعد، يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية عن أصل القضية، ويتعلق بغياب أي توضيح رسمي مباشر من المسؤول الأول عن جهاز التحكيم في المغرب، رغم حجم الحدث الذي أثار اهتمام الرأي العام الوطني والدولي. فإلى حدود الساعة، لم يخرج أي بلاغ أو تصريح تفصيلي يشرح الخلفيات الحقيقية التي دفعت الحكمة الدولية "بشرى كربوبي" إلى اتخاذ قرار الاعتزال، وهو ما فتح الباب أمام قراءات متعددة وتأويلات متباينة في الفضاء الإعلامي والرياضي.
كما يعتبر متابعون أن هذا الصمت، في مثل هذه القضايا الحساسة، يساهم في توسيع دائرة الشكوك بدل تقليصها، خاصة في ظل تزايد الإشارات والتلميحات الصادرة عن المعنية بالأمر في أكثر من مناسبة، والتي فهم منها البعض وجود ضغوط أو ظروف غير مريحة داخل محيطها المهني. وهو ما جعل جزءا من الرأي العام يتساءل عن أسباب غياب التواصل الرسمي الواضح، في وقت تتطلب فيه مثل هذه الملفات درجة عالية من الشفافية والتوضيح للرأي العام.
كما يرى هؤلاء أن خروج المسؤول عن التحكيم بتوضيحات دقيقة ومباشرة كان من شأنه أن يضع حدا للتأويلات، ويبرئ الذمة الإدارية من أي قراءات خاطئة أو استنتاجات قد تمس صورة الجهاز أو القائمين عليه، خصوصا أن القضية لم تعد شأنا داخليا محدود التأثير، بل تحولت إلى موضوع نقاش واسع يرتبط بصورة التحكيم المغربي على المستويين القاري والدولي.
وفي خضم هذا الغموض، زادت تصريحات رضوان جيد، مدير مديرية التحكيم، من حدة النقاش، بعدما أشار إلى أن الحكمات "لا يكملن المسار"، وهو تصريح اعتبره متابعون اختزالا لأزمة أعمق، بدل فتح نقاش حقيقي حول الأسباب التي تدفع كفاءات نسائية إلى مغادرة الميدان أو التوقف في منتصف المسار.
من جهته، شدد "الروحلي" على أن اختزال القضية في ردود أفعال أو تدوينات غاضبة يُغفل جوهر المشكلة، لأن الانفعال في حد ذاته يعكس حجم الاحتقان الذي قد يتراكم في صمت داخل المنظومة. واعتبر أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتم دون مواجهة الأسئلة الصعبة، وعلى رأسها ظروف اشتغال الحكمات داخل جهاز التحكيم.
وفي ظل استمرار حالة الغموض والصمت، يطرح ملف "بشرى كربوبي" نفسه اليوم كأكثر من مجرد قصة اعتزال، بل كعنوان لنقاش أوسع حول بيئة التحكيم المغربي، وقدرته على احتضان كفاءاته النسائية وضمان استمراريتها، بدل خسارتها في لحظات حساسة تمس الصورة والإشعاع الذي راكمه المغرب قاريا ودوليا في هذا المجال.

