أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
في كل نسخة من المونديال، تنفق الدول المنظمة الملايير على الملاعب العملاقة، وشبكات النقل الذكية، وخطط الأمن المعقدة، وتُسخّر آلاف العناصر الأمنية والخبراء والمتطوعين من أجل هدف بسيط للغاية: أن يستمتع الناس على اختلاف جنسياتهم بأجواء كرة القدم الحماسية.
لكن في العالم الموازي، يبدو أن بعضهم يصرّ في كل مرة على إثبات أن كرة القدم، بالنسبة إليه، مجرد تفصيل صغير يمكن الاستغناء عنه، وأن الهدف الحقيقي من حضور المباريات هو اختبار قوة الأحبال الصوتية في الشتم، أو استعراض المهارات في التدافع والعراك أمام عدسات الهواتف.
في سياق متصل، تداولت منصات عالمية مقاطع صادمة من ساحة تايمز سكوير بمدينة نيويورك، توثق حالة من الفوضى والتوتر وأعمال الشغب التي افتعلتها جماهير جزائرية في مواجهة نظيرتها الأرجنتينية، ما استدعى تدخل عناصر الأمن لاحتواء الوضع.
وما وقع ليلة أمس ليس مجرد حادث عابر يمكن المرور عليه بلا اكتراث، لأن هذه الواقعة تفرض بالفعل طرح سؤال بسيط، لكنه محرج في الآن ذاته: كيف نجح آلاف المشجعين من عشرات الجنسيات المختلفة في الاحتفال والتعايش لأيام متواصلة دون تسجيل أي مشاكل تُذكر، إلى أن حلت الجماهير الجزائرية، لتقرر بعد ذلك تحويل هذه الاحتفالية الجماعية إلى مشهد أقرب إلى معركة في الشارع؟
المثير للسخرية أن هؤلاء المسافرين الجزائريين لا يسافرون آلاف الكيلومترات لمتابعة كرة القدم بقدر ما يسافرون بحثاً عن خصم جديد، وكأنهم يحملون معهم مشروع أزمة متنقل، يبحث عن أول احتكاك وأول استفزاز وأول فرصة لإشعال التوتر. وحين تقع الكارثة، يبدأ الجميع في تبادل الاتهامات، بينما تضيع الحقيقة وسط الضجيج.
والمفارقة الصادمة أن هذه المشاهد تأتي في وقت نجحت فيه الجماهير المغربية، خلال السنوات الأخيرة، في فرض نفسها كواحدة من أبرز الظواهر الإيجابية في الملاعب العالمية. فمن مدرجات مونديال قطر إلى شوارع المدن الأمريكية المستضيفة لنسخة 2026، تحولت الجماهير المغربية إلى مادة دسمة لأكبر الصحف والقنوات الدولية التي أشادت بحماسها الحضاري، وأهازيجها المبتكرة، وقدرتها على مد جسور الود والمحبة مع جماهير مختلف الجنسيات والثقافات.
في المقابل، تصر الجماهير الجزائرية على تقديم الصورة النقيض تماماً؛ صورة مشبعة بالتوتر والاستفزاز والاحتقان، وكأنها عاجزة عن استيعاب أن مقابلات كرة القدم هي فرصة للاحتفال قبل أن تكون مواجهة على الملعب، ومناسبة للتقارب قبل أن تكون ساحة للصدام. والنتيجة أن العالم لا يتذكر أسماء اللاعبين ولا تفاصيل المباريات بقدر ما يتذكر مقاطع الفوضى والتدافع وتدخل قوات الأمن.
المؤسف أيضا أن مثل هذه التصرفات لا تسيء فقط إلى أصحابها، بل تلحق ضرراً بصورة الجماهير العربية والمغاربية عموماً، في وقت تبذل فيه جماهير أخرى في مقدمتها الجماهير المغربية، جهوداً كبيرة لتكريس نموذج مختلف قائم على الاحترام والتعايش والاحتفال المشترك. فبين من يسافر ليصنع الفرجة ويرسم الابتسامة على وجوه الآخرين، ومن يسافر حاملاً معه أسباب التوتر والاحتقان، تتحدد الصورة التي ستبقى عالقة في ذاكرة وأذهان العالم.
في هذا الصدد، يستحضر تاريخ التظاهرات الكروية القارية والدولية، حتى تلك التي غاب عن حضورها المنتخب الجزائري، سجلا "سوداويا" لعدد المشاكل والفوضى التي افتعلتها هذه الجماهير، وكأنها خلقت لهدف وحيد هو ترديد شعارها الخالد "وان تو ثري.. فيفا لالجيري"، وبأي طريقة؟.. طبعا بالاستفزاز والشتم والسب والتخريب.. والبقية يعرفها الجميع.
هذه الأحداث المؤسفة خلفت ردود أفعال غاضبة في الأوساط الأمريكية وأيضا بين جماهير المنتخبات المشاركة في المونديال، والتي أكدت أن مثل هذه التظاهرات الرياضية لم تخلق لنكون مسرحا مفتوحا للمشاجرات الجماعية، ولا مناسبة لتصفية الحسابات أو استعراض العضلات، بقدر ما هي مساحة يفترض أن ينتصر فيها الشغف على الغضب، والفرح على الكراهية، والرياضة على الغرائز البدائية التي لا تزال، للأسف، تجد لها مكاناً بين بعض الجماهير.
