أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
في كرة القدم، لا تحكي النتيجة دائماً القصة كاملة. وهذا بالضبط ما حدث في المواجهة العربية التي جمعت فجر اليوم الثلاثاء بين المنتخبين الأردني ونظيره الجزائري لحساب الجولة الثانية (المجموعة 10) من نهائيات كأس العالم 2026. فعلى الرغم من انتصار "محاربي الصحراء" بنتيجة (2-1)، فإن النقاش الذي أعقب المباراة تجاوز الحديث عن أهداف أمين غويري ونذير بن بوعلي، ليسلط الأضواء أكثر على الأداء الأردني اللافت، وإلى المشهد الرمزي الذي صنعه الملك عبد الله الثاني وأفراد الأسرة الهاشمية من المدرجات.
ففي ثاني مقابلة ضمن أول مشاركة مونديالية في تاريخ الأردن، اختار العاهل الأردني مرافقة منتخب بلاده من قلب الحدث، رفقة ولي العهد الأمير الحسين والأميرة رجوة والأميرة سلمى والأمير هاشم والأميرة إيمان. والأهم أن هذا الحضور جاء بعيداً عن أي طابع رسمي أو بروتوكولي، ما منح الصورة بعداً شعبياً واضحاً، وكأن الأسرة الهاشمية أرادت أن تعيش الحدث من زاوية المشجع الأردني العادي الذي يرى في المونديال حلماً وطنياً تحقق بعد عقود من الانتظار.

لكن رمزية المشهد لم تقتصر فقط على الحضور الملكي، بل امتدت إلى ما قدمه المنتخب الأردني نفسه. فمن الناحية النظرية، دخلت الجزائر المباراة وهي المرشح الأبرز للفوز، ليس فقط بسبب خبرتها الدولية، وإنما أيضاً بسبب الفوارق الكبيرة في قيمة اللاعبين والخبرة التراكمية في البطولات الكبرى. فالمنتخب الجزائري يضم أسماء تنشط في أعلى المستويات الأوروبية وتملك رصيداً كبيراً من المباريات الدولية، في حين يخوض أغلب لاعبي الأردن تجربتهم الأولى على هذا المستوى.
غير أن المعطيات فوق أرضية الملعب رسمت صورة مختلفة تماماً. فخلال الشوط الأول، نجح الأردن في تعطيل أهم مفاتيح اللعب الجزائرية، وفرض إيقاعاً سريعاً وضغطاً متقدماً حرم منافسه من الاستقرار. كما أظهر لاعبو المدرب المغربي جمال السلامي جرأة كبيرة في التحول الهجومي، وهو ما أثمر هدف التقدم عبر نزار الرشدان في الدقيقة 36.
واللافت أن المنتخب الجزائري، رغم امتلاكه أسماء هجومية وازنة، لم ينجح في فرض سيطرته المعتادة. بل بدا في فترات كثيرة متردداً ومفتقراً للحلول، خصوصاً أمام التنظيم الدفاعي الأردني والانضباط التكتيكي الذي ميز خطوط "النشامى". وحتى الفرص التي صنعها رياض محرز ورفاقه لم تكن كافية لإظهار فارق المستوى المفترض بين المنتخبين.

من هنا يمكن القول إن المباراة كشفت مفارقة مهمة، مفادها أن الفوارق الفردية كانت موجودة على الورق فقط، لكنها لم تظهر بالشكل نفسه على أرضية الملعب. وهو ما دفع عدداً من المحللين إلى اعتبار أن الأردن قدم أحد أفضل عروضه خلال السنوات الأخيرة، بينما قدمت الجزائر أداءً أقل من التوقعات رغم الفوز.
لكن كرة القدم في البطولات الكبرى لا تكافئ دائماً الفريق الأفضل أداءً، بل الفريق الأكثر قدرة على إدارة التفاصيل الصغيرة. وهنا ظهر عامل الخبرة الذي رجح كفة الجزائر. فهدف التعادل جاء من كرة ثابتة استغل خلالها الجزائريون سوء التمركز داخل المنطقة، قبل أن يحسموا المواجهة في الدقائق الأخيرة عبر لقطة أخرى كشفت الفارق في التعامل مع اللحظات الحاسمة.
وفي السياق نفسه، فإن حضور الملك عبد الله الثاني وأفراد الأسرة الهاشمية يضيف بعداً نفسياً لا يمكن تجاهله في قراءة مجريات اللقاء. فمن جهة، شكل هذا الحضور دافعاً معنوياً كبيراً للاعبي "النشامى"، منحهم إحساساً مضاعفاً بالمسؤولية والاستماتة لتقديم أفضل ما لديهم أمام لحظة تاريخية غير مسبوقة في الكرة الأردنية. ومن جهة أخرى، قد يكون هذا الحضور نفسه قد تحول إلى عامل ضغط إضافي على مجموعة شابة تخوض أول تجربة مونديالية، حيث ارتفعت سقوف التوقعات بشكل كبير، وأصبح الحفاظ على التقدم أو تحقيق الفوز أمام أنظار القيادة والشعب هدفاً ثقيلاً في لحظات المباراة الحاسمة، وهو ما قد يفسر بعض التوتر الذي ظهر في إدارة الدقائق الأخيرة.

بعبارة أخرى، لم تخسر الأردن بسبب فارق فني كبير، وإنما بسبب فارق الخبرة في إدارة مراحل معينة من المباراة، إلى جانب تأثيرات نفسية مركبة بين التحفيز والضغط في آن واحد. وهذا أمر طبيعي بالنسبة لمنتخب يخوض أول تجربة مونديالية في تاريخه أمام منافس اعتاد الوجود في البطولات الكبرى ويمتلك لاعبين راكموا سنوات طويلة من المنافسة في أعلى المستويات.
وعموماً، يرى كثير من المتابعين أن المنتخب الأردني كسب أموراً لا تقل أهمية عن النقاط. فقد أثبت قدرته على منافسة منتخبات تملك إمكانيات أكبر، وأظهر أن تأهله إلى كأس العالم لم يكن صدفة أو نتيجة ظرفية. كما نجح في كسب تعاطف وإعجاب قطاع واسع من الجماهير العربية التي رأت فيه منتخباً شجاعاً يهاجم دون خوف ويجبر منتخباً بحجم الجزائر على الاعتماد على خبرته لإنقاذ المباراة.
أما بالنسبة للجزائر، فإن الفوز منحها ثلاث نقاط ثمينة، لكنه فتح في المقابل أسئلة عديدة حول قدرتها على الذهاب بعيداً في البطولة. فالفريق الذي عانى أمام الأردن، ووجد صعوبة في فرض شخصيته على المباراة، سيكون مطالباً برفع مستواه بشكل واضح إذا أراد منافسة المنتخبات الكبرى في الأدوار المقبلة.
لذلك، قد تسجل كتب التاريخ أن الجزائر فازت بالمباراة، لكنها ستسجل أيضاً أن الأردن كان أحد أبرز المنتخبات العربية التي خطفت الأضواء في المونديال بأدائها وشخصيتها. وبين الحضور الملكي العفوي والأداء الجريء للنشامى، خرج الأردنيون من اللقاء بخسارة في النتيجة، لكنهم خرجوا أيضاً بقناعة راسخة بأن منتخبهم قادر على الوقوف نداً أمام منتخبات تملك خبرة وأسماء أكبر.

