بالجرافات والآليات الثقيلة.. السلطات تواصل هدم "دوار العساكرية" بعين برجة بالدار البيضاء

صاحب الجلالة يغادر مدينة تطوان في اتجاه إقامته الملكية بطنجة

الأحرار يكشف عن التزامه الثالث.. الإدماج الاقتصادي وإحداث صندوق للقروض الإنتاجية بدون فوائد

أخنوش: أتقدم بأحرّ التهاني إلى صاحب الجلالة نصره الله وإلى عموم المواطنين بمناسبة تأهل الأسود

الأكاديمية الجهوية للتربية و التكوين تحتفي بالتلاميذ المتفوقين في البكالوريا بجهة فاس مكناس

ليلة استثنائية بالرباط.. احتفالات عارمة بتأهل الأسود على حساب هولندا!

اعتداء "مغاربة" على طفل جزائري بالمونديال.. أسئلة حارقة تنسف رواية نظام الكابرانات

اعتداء "مغاربة" على طفل جزائري بالمونديال.. أسئلة حارقة تنسف رواية نظام الكابرانات

أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة القناعات قبل أن تنتهي التحقيقات، لم يعد الخبر هو ما يقع فعلًا، بل ما ينجح في فرض نفسه على الرأي العام. ومن هنا، يصبح من المشروع التوقف عند الطريقة التي أُدير بها ملف الطفل الجزائري (وسيم/ 14 سنة) الذي قيل إنه تعرض لاعتداء على هامش مباريات كأس العالم بالولايات المتحدة الأمريكية، ليس فقط من زاوية الواقعة نفسها، وإنما من زاوية السردية التي رافقتها، والأسئلة التي بقيت معلقة دون إجابات.

فمنذ الساعات الأولى لانتشار الخبر، تشكلت رواية جاهزة لا تقبل النقاش: "طفل جزائري تعرض لاعتداء من طرف جماهير مغربية". وسرعان ما تحولت هذه الرواية إلى مادة إعلامية وسياسية، قبل أن تظهر أي نتائج رسمية للتحقيق الأمريكي، أو تصدر بيانات قضائية تحدد هوية المعتدين أو دوافعهم.

غير أن أكثر ما يثير الانتباه في هذه القضية ليس فقط الرواية المتداولة، وإنما الطريقة التي جرى بها التعاطي الإعلامي معها. فبينما غابت "الواقعة" عن كبريات وسائل الإعلام الأمريكية والدولية، وانعدم صدور أي بيانات رسمية أمريكية تفصل في هوية المعتدين أو دوافعهم، كانت الصحافة الجزائرية، بمختلف توجهاتها، تكاد تكون الوحيدة التي أولت القضية زخمًا استثنائيًا، بل سارعت إلى تقديمها باعتبارها اعتداءً ارتكبه "المغاربة"، قبل أن تنطق نتائج أي تحقيق.

وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا انفرد الإعلام الجزائري تقريبًا بتحويل الواقعة إلى قضية رأي عام، في وقت لم تُبد فيه المؤسسات الإعلامية الأمريكية الاهتمام ذاته، رغم أن الحادث – إن صحت كل تفاصيله – وقع على الأراضي الأمريكية ويمس طفلًا قاصرًا؟ ثم لماذا انتقل الخطاب الإعلامي سريعًا من الحديث عن اعتداء مزعوم ارتكبه أشخاص مجهولون إلى تحميل المسؤولية لجماهير المغرب، بل في بعض الأحيان تقديم الأمر وكأنه يعكس سلوك شعب بأكمله؟ أليس في ذلك تعميم يتجاوز الوقائع ويؤسس لإدانة جماعية لا تستند إلى نتائج تحقيق قضائي أو أمني؟

ثم إن الأسئلة التي تفرض نفسها لا تتوقف عند هذا الحد.

إذا كان الأمر يتعلق فعلًا باعتداء على طفل قاصر فوق التراب الأمريكي، وإذا كان الطفل يحمل الجنسية الأمريكية أيضًا كما تم تداوله، فلماذا لم تتحول القضية إلى شأن عام داخل الولايات المتحدة؟ ولماذا لم نر اهتمامًا من كبريات وسائل الإعلام الأمريكية، التي اعتادت مواكبة مثل هذه القضايا، خاصة عندما ترتبط بحدث عالمي بحجم كأس العالم؟ وأين بيانات الشرطة أو الادعاء العام أو الوثائق القضائية التي تحدد ملابسات الحادث وهوية المتورطين؟

هذه الأسئلة لا تهدف إلى نفي وقوع الاعتداء، وإنما إلى المطالبة بالحد الأدنى من المعايير المهنية التي تفرض انتظار نتائج التحقيق قبل إصدار الأحكام. بل إن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بهوية المعتدين أنفسهم.

من قال إنهم مغاربة؟ وهل صدرت عن السلطات الأمريكية نتائج تحقيق تؤكد ذلك؟ وهل ثبت أن الدافع كان استهداف طفل بسبب جنسيته الجزائرية؟ أم أن هذه الاستنتاجات بُنيت على رواية إعلامية سبقت القضاء؟

إلى حدود الساعة، لا توجد معطيات رسمية منشورة تحسم هذه النقاط بصورة قاطعة.وفي المقابل، يغيب سؤال آخر لا يقل أهمية: هل سبق الاعتداء أي احتكاك أو استفزاز؟ وهل كانت هناك ظروف أخرى أحاطت بالواقعة؟ وهل تم نشر التسجيل الكامل للأحداث أم مجرد مقاطع مجتزأة تخدم رواية بعينها؟ فكل من مارس العمل الصحفي يعلم أن أي فيديو مبتور قد يخفي من الحقيقة أكثر مما يظهر منها.

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني تبرير أي اعتداء، فالاعتداء على طفل يبقى فعلًا مدانًا ومرفوضًا مهما كانت هوية مرتكبه، لكنه يعني فقط احترام مبدأ بسيط: لا يجوز أن تتحول الرواية إلى حقيقة قبل أن يقول القضاء كلمته.

غير أن القضية تكتسب بعدًا آخر عندما توضع في سياق العلاقات المغربية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد الخلاف السياسي يقتصر على الدبلوماسية، بل امتد إلى الفضاء الإعلامي والرياضي والرقمي، سيما أن نظام الكابرانات لا يتوانى في استغلال كل مناسبة دولية لإعادة إنتاج خطاب ينهل قواميس الحقد والكراهية والتحريض على كل ما له علاقة بالمغرب.

وفي المقابل، هناك حقيقة لا يمكن القفز عليها. فمنذ انطلاق منافسات كأس العالم، تنقلت الجماهير المغربية بين الولايات المتحدة والمكسيك، وحضرت بعشرات الآلاف في الملاعب والساحات العامة، وقدمت، بشهادة العديد من المتابعين والصحفيين، صورة حضارية راقية، اتسمت بالاحتفال المنظم والتشجيع الحضاري واحترام القوانين المحلية. ولم تُسجل بحقها، إلى حدود ظهور هذه القضية، حوادث جسيمة أو أعمال شغب ممنهجة أو اعتداءات أثارت انتباه السلطات أو الإعلام الدولي، وهو ما يجعل من الصعب قبول محاولة اختزال سلوك عشرات الآلاف من المشجعين في رواية لم تستكمل بعد مسارها القضائي.

إن أخطر ما في هذه القضية ليس الاعتداء نفسه إن ثبت وقوعه، بل محاولة الانتقال بسرعة من مسؤولية أفراد - إن ثبتت - إلى إدانة شعب كامل وجمهور بأكمله. فهذا منطق لا يقبله القانون، ولا أخلاقيات الإعلام، ولا أبسط قواعد الإنصاف.

وفي انتظار أن تظهر الحقيقة كاملة، يبقى السؤال الأكبر مطروحًا: هل نحن أمام واقعة جنائية عادية جرى تسييسها إعلاميًا، أم أمام حلقة جديدة من حرب الروايات التي أصبحت ترافق كل نجاح يحققه المغرب على الساحة الدولية؟

ويبقى الأمل أن تأتي الإجابة من التحقيقات والأدلة، لا من العواطف والانفعالات، لأن الحقيقة لا تُبنى على الانحياز، بل على الوقائع، والعدالة لا تصنعها عناوين الصحف، بل تصنعها الأحكام القضائية.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات