قضية سبتة تفجر انقساما داخل إسبانيا.. وزير في حكومة سانشيز يطعن في حياد القاضية المكلفة بالتحقيق

قضية سبتة تفجر انقساما داخل إسبانيا.. وزير في حكومة سانشيز يطعن في حياد القاضية المكلفة بالتحقيق

أثار وزير النقل والتنقل المستدام الإسباني أوسكار بوينتي جدلا لافتا بعدما شكك في حياد القاضية ماريا تاردون، التي تقود التحقيق في أحداث سبتة الأخيرة، معتبرا أن بعض قراراتها ومعطيات التحقيق تبرر التشكيك في موضوعيتها، مستحضرا في هذا السياق ماضيها السياسي داخل الحزب الشعبي. ويأتي هذا الموقف في وقت يتخذ فيه التحقيق القضائي منحى بالغ الحساسية، بعدما جرى التعامل مع موجة العبور الجماعي ليس فقط باعتبارها أزمة هجرة، وإنما كوقائع قد تمس الأمن القومي والسلامة الإقليمية لإسبانيا.

غير أن أهمية تصريح الوزير، وفق متابعين للشأن الإسباني، لا تكمن فقط في اعتراضه على بعض خلاصات التحقيق، بل في كونه يعكس حجم الحرج الذي بدأت القضية تسببه لمدريد. فالحكومة الإسبانية نفسها تؤكد عدم توفرها، إلى حدود الساعة، على أدلة صلبة تثبت أن المغرب نظم عملية العبور أو أصدر توجيهات مباشرة بشأنها، بينما يذهب المسار القضائي إلى بحث فرضية أكثر خطورة تتعلق بوجود تنظيم وتوجيه من الجانب المغربي. وبين الروايتين، تبدو حكومة بيدرو سانشيز حريصة على ألا تتحول فرضية قيد التحقيق إلى اتهام سياسي رسمي للرباط.

وفي قراءة سياسية للمشهد، يطرح التطور الأخير سؤالا أكثر إحراجا لمدريد: هل تخشى الحكومة الإسبانية أن يقود التحقيق إلى مواجهة دبلوماسية مع المغرب لا تريدها؟ لا يمكن الجزم بأن تشكيك بوينتي في القاضية جاء لهذا السبب تحديدا، غير أن توقيت الموقف وسياقه يسمحان بطرح هذه الفرضية، خصوصا أن تثبيت مسؤولية المغرب رسميا في القضية سيكون من شأنه فتح أزمة تتجاوز سبتة، وقد يهدد شبكة المصالح التي تجمع البلدين في ملفات الهجرة والأمن ومحاربة الإرهاب والتجارة والاستثمار. لأجل ذلك، يرى مهتمون بالعلاقات المغربية الإسبانية أن مدريد تبدو حريصة على انتظار أدلة حاسمة قبل السماح للملف بالتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع الرباط.

والأهم أن هذه الأزمة تكشف، بحسب مراقبين، حقيقة باتت إسبانيا مطالبة بالتعامل معها بواقعية: المغرب لم يعد في موقع الدولة التي يمكن الضغط عليها بسهولة أو التعامل معها بمنطق الإملاءات السياسية. فالرباط راكم خلال السنوات الأخيرة أوراق قوة إقليمية ودولية واقتصادية وأمنية، وأصبحت شريكا استراتيجيا لا تستطيع مدريد تجاهله أو المجازفة بخسارة تعاونه في ملفات شديدة الحساسية. ومن ثم، فإن أي تصعيد غير محسوب حول سبتة قد تكون كلفته على إسبانيا أكبر مما تتوقعه بعض الأصوات السياسية والإعلامية، خصوصا في ظل تشابك المصالح بين البلدين.

وعليه، فإن التشكيك في حياد القاضية تاردون يمكن أن يُقرأ، سياسيا، باعتباره محاولة لتطويق مسار قضائي قد يدفع العلاقات المغربية الإسبانية إلى منطقة شديدة الحساسية، خصوصا إذا انتهى إلى اتهام رسمي للرباط. فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول الهجرة أو حول تفسير ما حدث في سبتة، بل أصبحت اختبارا لقدرة مدريد على إدارة ملف حساس مع المغرب في ظل تغير واضح في موازين القوة، وهي حقيقة يبدو أن صانع القرار الإسباني بات مضطرا إلى أخذها بعين الاعتبار قبل الذهاب بعيدا في التصعيد.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.