طارق جبل
دلالة العنف الأسية
جندت بعض الأقلام حبرها المسعور للدفاع عن حق العقيد في محاكمة عادلة بعد أن تجاهلت جرائمه المتراكمة في حق الشعب الليبي على امتداد أربعة عقود ونيف من الزمان. وكثيرا ما طوعت نفس الأقلام المأجورة نفسها لتسويق مسرحيات الدكتاتور الهزلية، مؤكدة على تميزه بين باقي القادة العرب...بالكلام الفارغ والعنتريات الزائفة. لكن لم يكتب للعقيد أن يتنصل من نهاية محتومة وقدر كان مفعولا في مواجهة كوماندوهات مكافحة الجرذان الناقلة للطاعون من أمثاله، كما تنصل (زين الهاربين) وشريكته الدموية (ليدي ماكبت) - مع اعتبار الفارق وحفظ الألقاب بين ملكة في دراميات شيكسبير وماشطة في غراميات تونس. غريب أن هذه الأقلام الحالمة كانت تتوقع أن تنتهي مذابح الدكتاتور في ليبيا إلى غير ما تؤول إليه المجازر في أفلام كونتن تارانتينو العنيفة من قبيل (Reservoir Dogs) أو (Kill Bill) حيث تتم تصفية الممثلين جميعهم، بمعية المخرج والمنتج وكاتب السيناريو، علاوة على بعض المشاهدين المنحوسين. لقد طفح كيل الليبيين بمسيلمة الذي كان يدعي أنه زعيم لا يحكم وأنه أول من كان يعتزم الثورة على المجالس الثورية التي حملها وحدها مسؤولية ما آلت إليه ثورة فاتح علب السردين من تدهور شمل جميع المجالات ليقبع بحال البلاد الصحراوية في العصر الجليدي. بلغت موهبة الدكتاتور ذروتها في استفزاز عقول الليبيين ومشاعرهم عندما صرح بأنه يتقاضى راتبا شهريا لا يزيد عن 450 دينار ليبي (ما يعادل حوالي 300 دولار أمريكي) يعيشه وذويه في فقر مذقع؛ في الوقت الذي وصلت فيه قيمة عطاياه لملهمته الفاتنة كوندوليزا رايس -بمعاييره المشبعة بقلة الذوق وحسه الجمالي المقرف- إلى حدود 212.000 دولار أمريكي من جيب الشعب. ولم يأب (الرجل بين قوسين) أن يتوارى عن الأنظار قبل أن يترك وصيته بالدفن وفق تعاليم الشريعة الإسلامية بعد أن نقحتها فخامته بمعرفته (بثيابه التي يموت فيها ودونما أن يغسل). ثم يأتي بيان عائلته الهاربة من منفاها في الجزائر ليعذب مسامعنا بمغالطات وراثية عن شهادة العقيد، كما صدعت رؤوسنا من قبل زوجة أوفقير فاطمة بما كتبوه لها على ورق المراحيض (حدائق الملك 2000 ) وابنته مليكة بما خططوه لها في خرقتها المتعفنة (السجينة 1999) من كلام فارغ لا يقبله العقل يصور (الجزار) في هيئة ولي من أولياء الصالحين، وحقائق مقلوبة تعدد ملحماته في التضحية الوطنية ومواقعه في المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، ومنطق معكوس يتهم طبع المغاربة بالخيانة والخنوع والاستسلام.
نهاية العقيد، بدون تشفي، كانت النهاية الطبيعية لأربعة عقود من الاستبداد والدموية و النذالة والسخافة والتخلف بأبعاد سريالية. سياسة العقيد وصفة لكارثة صنعها بيده واختار مقاديرها بنفسه. فلا يلومن اليوم إلا نفسه في قبره وقد انفجرت في وجهه.
نظرية الدومينو ورمزية الجدار
اعتمدت الإدارة الأمريكية في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفياتي على نظرية الدومينو التي كان قد طرحها الرئيس الأمريكي الراحل دوايت أيزنهاور في خطابه التاريخي عن فياتنام سنة 1954، لتبرير سياساتها المتسلطة في دول جنوب شرق آسيا وأوروبا الشرقية بغية تطويق المعسكر الشيوعي.
بعد ذلك، قرر الصقور في إدارة بوش الإبن إخراج نظرية الدومينو من مقبعها في أرشيف الحرب الباردة لإعادة استعمالها في تبرير الحرب على العراق أولا قبل الالتفات في وقت لاحق لإيران وسوريا وحزب الله في لبنان (وتطول اللائحة لتمتد إلى كل المتهورين ممن يجرؤون على تكدير صفو العم سام) بدعوى تصدير الديمقراطية على فوهات المدافع وأجنحة الفوضى الخلاقة.
ثم ارتآى كل من يحسب نفسه صالح ثمود أو أسد الشام أو فرعون الزمان أن يتستر وراء دومينو وراء دومينو وراء دومينو، ليخلط الأوراق ويشوش على الفهم عساه ينجو من عدوى إنفلوانزا شق عصا الطاعة التي أصابت الشعوب العربية.
قدرة هذه الحرب السيمانطيقية على التدليس لامتناهية. لا تري الناس إلا ما ترى. تلبس الحق بالباطل وتلبس الباطل بالحق. تفرض السريالية على المنطق والخيال على الواقع. كما تفترض في الضحية تعاونها وقابليتها للاستغفال والاستحمار أكثر مما تعتمد على قوتها في الإقناع وقدرتها على مقارعة الحجة بالحجة. صحيح أن استراتيجية التلاعب بالألفاظ وخصخصة الدلالات قد تخدع كل الناس بعض الوقت. وقد تخدع بعض الناس كل الوقت. لكنها حتما لن تقدر على أن تخدع كل الناس كل الوقت.
تمتحن حرب السيمانطيقا منطق الشعوب. ويختبر جدار الدكتاتورية معادن الناس. يقف بعضهم على مقربة من الجدار ليضرب أخماسا في أسداس، وقد يطول به الأمد في التأمل والتدبر حتى يتجمد في صورة منحوتة رودان (المفكر). منهم من يحاول القفز فوقه أو تسلقه أو ربما الالتفاف عليه. وفيهم من يتخيل نفسه هولك العجيب أو يفقد الأمل في المستقبل فيلكمه أو يضرب رأسه فيه. أما الانتهازيون، فيتفرجون وينتظرون أن يحدث السابقون شرخا فيه بطريقة أو بأخرى، في وقت قريب أو بعيد، لينفذوا منه بسلام وبدون دفع التكاليف.
http://gibraltarblues.blogspot.com
