يونس حسنائي
لا تلبث حلقة من مسلسل تركي ان تبث عبر احدى قنوات الصرف الصحي " اعزكم الله "، حتى ترى جماهير غفيرة من المشاهدين و المتتبعين هم نساء و اطفال بل حتى ذكور بشواربهم العريضة يتسارعون و يهرولون الى المقاهي و المنازل لمتابعة احداث و مجريات الحلقة الجديدة من المسلسل التركي المنتظر و الذي تصل عدد حلقاته الى ما فوق الخمسمائة حلقة شانه شان حلقات مسلسل الحوار الاجتماعي الذي لا يبدوا انه يتوفر على حلقة اخيرة هو الاخر .
و ما ان تنتهي الحلقة الا و ترى بالشارع العام مسلسلا اخر من التقليد المعتوه، مطابق تماما لما كان داخل "صندوق لعجب" ذاك.. قصات شعر و شوارب غريبة و لباس اغرب مع حجاب تركي كسنام الجمل المخمور ، حلي مزيفة من القصدير باهظة الثمن لكون النجمة الفلانية تلبسها بالمسلسل التركي المعبود ، بل حتى طريقة المشية و الحديث تكون مصطنعة لتطابق ما تم برمجته لا اراديا بمخيلة فارغي العقول ..
هي بكل بساطة ثقافة الشمبانزي او التقليد البعيد كل البعد عن واقعنا و ثقافتنا المغربية ، تقليد دون ادنى وعي او فكر او تسائل عميق ..لماذا تلبس تلك النجمة ذاك اللباس و ما اصل تلك الثقافة و ما هو الغرض اصلا من هذه الموجة التسونامية من المسلسلات التركية التي اغرقت المواطن المغربي في بحار الخيال و الوهم...؟
ثقافات و تجارب غريبة و عديدة لقيت داخل مجتمعنا المغربي مكانا خصبا لها و سوقا واسعا لتغرس فيه هويتها و تفقد المغاربة هويتهم و كأنها عشب موبوء يجب التخلص منه.. بل لا تستغربوا ان قلت على انها سياسة خطيرة و دنيئة تلك التي تنهجها قنواتنا المريضة من اجل طمس هويتنا المغربية الحرة... الا و هي القضاء تماما و نهائيا على الانتاج المغربي ليحل محله انتاج تركي بنكهة سياسية، لصرف المواطن عن ما هو مهم و حقيقي الى ما هو اتفه من التفاهة من قصص للحب في زمن الكوليرا الاجتماعية.
و الهاء المواطن بمظاهر مخادعة و مزيفة و محاولة نحت الثقافة التركية بمخيلة المشاهد لتوهيمه ان ذاك هو المجتمع المثالي العظيم الذي طالما بحثنا عنه و الذي نرغب فيه ، لنطالب كمواطنين مغاربة و دون وعي بسياسة تركية مماثلة و طبق الاصل .
لتلعب الاحزاب السياسية هنا دورها و لعبتها القذرة بتنويم المواطن و توهيمه بمستقبل مشرق ينتظره غدا ، شانه شان ما يشاهده عبر قنواته ، فتجد أبواق و ببغاوات الاحزاب المستفيدة من هذا العبث الإعلامي يمجدون التجربة التركية و يحتفون بها و يرسمون لها صورة المخلص و المنقذ من هذا الوضع الاقتصادي المزري ، مستخدمين في ذلك جميع المصطلحات و الشخصيات السياسية التركية لإسقاطها على ساستهم المغاربة. فهي اذن يمكن اعتبارها مجرد خدعة بصرية او ما يصطلح عليه العاب الخفة لا اقل و لا اكثر..
نعلم جيدا ان سلاح الاعلام افتك و اعتى من الرصاص و القنابل ، لكونه يخاطب العقل مباشرة ليقوم ببرمجته ذاتيا و تنويمه مغناطيسيا خصوصا مع مجتمع بعيد كل البعد عن تحليل المواد التي تبث عبر التلفاز و لا يتقن فن النقد الاعلامي بشكل عام و السينمائي بشكل خاص. فالمواطن المغربي مجرد متلقي مستهلك و الة جاهزة للبرمجة الاعلامية.
و هذا ما يصطلح عليه بالاستحمار و تغيب الوعي ، لماذا اذا لا تقدم قنواتنا التلفزية افلاما و برامج مغربية تحكي واقع المواطن المغربي و تجسد ثقافته ؟ لماذا اذن يتم تغييب و طمس التاريخ المغربي قبل و بعد الاستعمار ؟ لماذا هذا السكوت و السكون في اظهار الحقائق كما هي تمجيدا و تكريما لرجالات و نساء المغرب الذين بنوا المغرب بدمائهم .
فالإعلام بمختلف اشكاله و الوانه يجب ان يكون صوت المواطن و مرءاته التي تعكس واقعه و ليس مستنقعا لتجارب و انتاجات اخرى غريبة عنا ، فلم اسمع عن قناة تركية تبث مثلا مسلسلا او برنامجا مغربيا على قنواتها ، فلماذا اذن نتعمد ان نظهر على اننا اقل مستوى ممن هم دوننا ، رغم ان الحضارة المغربية كانت اقوى من حضارة العثمانيين و شوكة في حلقهم و هم الذين كانوا سبب نكبة المسلمين و العرب الى يومنا هذا ، بسبب انشغالهم بالرقص و احتساء اجود انواع الخمور و امتلاك اجمل النساء في الوقت التي كانت أوروبا تشهد ثورة اقتصادية و فكرية و صناعية.
الا يكفي هذا كدليل على اننا لا يجب ان نكرر نفس الخطأ و ان نعتمد على سواعدنا و ثقافتنا و سياستنا لخلق تجربة مغربية رائدة ؟ ام انه علينا دائما ان نتقمص دور قردة الشمبانزي و التي لا تتقن سوى التقليد ، فالقرد مهما برع في تقليد الانسان يبقى قردا...
