رشيد أخريبيش
كم دافعنا عن رجال التعليم ، وكم وقفنا في وجه من يحاول ابتزازهم سواء أكان من أصحاب القرار أو غيرهم ، وكم ثرنا في وجه من يحاول النيل منهم ، لكن مع ذلك فدفاعنا عن الأستاذ وعن حقوقه المهضومة لا تجعلنا نلتزم الصمت حيال ما يصدر من أخطاء جسيمة عن بعض رجال ونساء التعليم ،والتي تسيء إلى منظومتنا التعليمية وإلى وطننا الحبيب الذي يسعى جاهدا إلى النهوض بقطاع التعليم الذي يعيش أزمات لا تنتهي .
صراحة كرجل تعليم صدمت بعد مشاهدتي لشريط الفيديو الذي تم نشره على صفحات التواصل الإجتماعي والمتعلق بأستاذة انهالت على تلميذها بوابل من الشتائم الغير المقبولة ،والتي لا يمكن أن تصدر عن أناس من المفروض أن يكونوا قدوة لأبناء المغاربة جميعا، والذين كاد شوقي أن يضعهم في منزلة الأنبياء.
نحن نعرف جيدا أن الأستاذ في المغرب يعاني الويلات أثناء مزاولة عمله ، ونعرف أيضا أن هناك من التلاميذ من يتخذ من أستاذه العدو اللدود يتحين الفرصة السانحة للانتقام منه ، كما نعرف أيضا أن هناك العشرات من الأساتذة يتم تعنيفهم داخل الفصل الدراسي ، كل هذا معروف ولا أحد يجادل في ذلك على الإطلاق، لكن هل مواجهة مثل هذه الظواهر تدفع بالأستاذ أن ينزل هو الآخر إلى هذا المستوى المتدني الذي وصلت إليه هذه الأستاذة ؟
صحيح أن المدرسة هي المؤسسة التي تربي أجيال الغد وتعلمهم الصواب من الخطأ ، وصحيح أن الأستاذ هو المشعل الذي يضيء ظلمة هؤلاء ويزرع فيهم الأخلاق والقيم النبيلة ، لكن كيف سيكون حال أبنائنا إذا تحولت هذه المدرسة إلى ساحة لممارسة كل أشكال العنف؟ وكيف سيكون مآلهم إذا أصبح هذا الأستاذ يمارس عليهم عنفا لفظيا يترك في أنفسهم جروحا قد لا تندمل ؟
نحن هنا لسنا بصدد الهجوم على الأستاذة ، وليست لدينا أي نية للنيل منها ، ولكن علينا أيضا أن نكون موضوعيين بعض الشيء ، وألا نحاول السكوت على سلوكات منحطة سواء صدرت من تلاميذ أومن أساتذة ، لأن مثل هذه الأنواع من السلوكات هي السبب الرئيس فيما وصل إليه تعليمنا ، فمبدأ الاحترام المتبادل الذي يجب أن يكون بين الأستاذ وتلميذه لم يعد موجودا، بفعل استعمال مثل هذه الكلمات التي من المفروض ألا تستعمل حتى في الشارع، وما بالك بمؤسسة لها حرمتها الخاصة .
يجب أن نصارح أنفسنا اليوم ونعترف على الأقل بأن مقاربة العنف لن تجدي شيئا، لأن العنف لا يولد إلا العنف في النهاية ،ولن يحقق الإصلاح الذي نصبو إليه ،فماذا ننتظر من تلاميذ يتم سبهم وشتمهم أمام زملائهم كما شاهدنا مع بطلتنا التي كسرت جدار الأخلاق التي من الواجب على الأستاذ أن يتحلى بها ، وتطاولت على تلميذها ووصفته بأقبح الصفات دون أن تعرف أنها بذلك تساهم بشكل كبير في إذكاء نار العنف التي من الممكن أن تحصد اليابس والأخضر وهذا مالا نتمناه.
إذا كنا على الدوام ندعو إلى الحرية وإلى الديمقراطية وإذا كانت لدينا الرغبة في التحرر والانعتاق من السيطرة وإذا كنا دائما نطالب من الآخر أن يقدم لنا الإحترام ، فإنه يجب أيضا أن نطرح على أنفسنا بعض الأسئلة البسيطة والمحرجة هل نحن كأساتذة نتحلى بما يكفي من الديمقراطية مع تلامذتنا ؟ وهل لدينا قسطا من الأخلاق التي تجعل منا القدوة التي يقتدي بها هؤلاء ؟ وكيف بنا أن نطالب من هؤلاء احترامنا ونحن نهينهم بشكل لا يقبله عاقل ؟
ما شاهدناه هذه المرة محزن جدا ويسيء إلى أسرة التعليم وإلى المنظومة بأكملها ،ويسيء إلى انسانية الانسان التي لا تقبل الإهانة ، متمنياتنا ألا تتكرر مثل هذه التجاوزات المشينة ، وأن نحاول التخلص من العقلية التسلطية التي هي السبب في التخلف والعودة إلى الوراء، وأن نلتزم بقدر من المسؤولية أثناء الحوار مع الآخر حتى لو اختلفنا معه ، طيب الله أوقاتكم .
