الحسين بوخرطة
لا يمكن لأحد أن ينكر أهمية مرحلة إجراء أول استحقاقات ترابية ما بعد مصادقة المغاربة على دستور 2011، وفي منتصف العشرية الثانية للعهد الجديد. أهميتها السياسية تتجلى في ضرورة تقييمها الدقيق من خلال طرح إشكالية العلاقة التي تربط بين منطق الحكامة الترابية وطبيعة النخب وأسس شرعيتها السياسية. والدولة متوفرة منذ عقود على مؤسسات رسمية للدراسات والتوثيق، عليها في نظرنا أن تقوم، بنفسها وبكامل المسؤولية، بتعميق التحليل الموضوعي، هذه المرة وبدون أية اعتبارات، لهذه الإشكالية المحورية، ومن تم تعميم محتواها على المغاربة من خلال وسائل الإعلام السمعية البصرية والمكتوبة والإلكترونية وكل المنابر المتاحة والممكنة بما في ذلك المساجد (العمل الجاد عبادة). بالطبع، موازاة مع المؤشرات الإيجابية جدا، المتراكمة، التي تمت ملامستها خلال العهد الجديد، والتي توجت بالإقرار الملكي الرسمي، المعلن عن طريق وزارة العدل، بعدم متابعة المسيئين لشخص الملك، أصبح من حق المغاربة التوفر على المعلومات الكافية في شأن من سيتقلدون مسؤولية تدبير شؤونهم الترابية في كل الوحدات الترابية المحلية والإقليمية والجهوية، معلومات يجب أن تدقق الحقائق في شأن "التزكيات" ومن يقف وراءها وطبيعة النخب التي تم إنتاجها، والمنطق السياسي المعتمد في اختيارها. ومن ضمن الأسئلة التي نراها تحتاج إلى أجوبة شافية، نذكر:
• هل تستحضر الأحزاب السياسية المصلحة الوطنية التنموية والحرص على تطوير المشهد السياسي في اختيار مرشحيها وزعماء لوائحها؟
• هل أساس "التزكيات" مرتبط بالشرعية السياسية الترابية؟، وما سر الحديث الشعبي عن أصحاب "الشكاير"؟، وما سر اغتناء عدد من المحاورين الأساسيين للأحزاب السياسية ترابيا خارج الضوابط التنظيمية؟
• هل يمكن افتراض خضوع أصحاب "الشكاير" للإجراءات التنظيمية بعد الاستحقاقات الانتخابية؟، وهل هؤلاء مستعدين للتضحية بثرواتهم من أجل الوطن من خلال الإسهام في إنتاج نخب جديدة كفئة ومسؤولة؟
• هل تم تأهيل المنظومة السياسية الترابية ببلادنا لقبول إنتاج نخب على أساس الكفاءة والمسؤولية ونقاوة اليد وبدون شروط مسبقة (شروط الضمانة)؟
• هل يمكن الحديث بعد نتائج استحقاقات 4 شتنبر عن إمكانية استعانة العقل العملي بالعقل النظري؟
• ....إلخ
ونحن في الصفحات الأخيرة من قراءة الكتاب الشيق "الحسن الثاني الملك المظلوم" للصحافي مصطفى العلوي (الطبعة الأولى 2015)، وجدنا أنفسنا في حاجة إلى دراسة مفصلة تمكننا من الإطلاع المعرفي عن مسار الزعماء السياسيين الترابيين القداما والجدد، لنستشف من وراء ذلك العبر والدروس الخاصة بهذه المحطة المحورية التي عبرت عنها في مقال سابق بعنوان: "المغرب في مفترق الطرق". الذي يهمنا في هذا الباب، هو استحضار الأسئلة التالية في الجواب على الأسئلة المذكورة أعلاه:
• من هم الأعيان الوطنيون الذين يحملون هم البحث عن النخب الوطنية الكفئة و"الفاهمة" القادرة على الإسهام في تحسين جودة الحكامة الترابية ومن تم الرفع من جودة الخدمات المقدمة للشعب المغربي؟
• ومن هم الأعيان الانتهازيون الذين يكرهون الكفاءة والجودة ويميلون لربط الشرعية السياسية بالرداءة والزبونية وتوزيع المال الحرام، وما تسببه ممارساتهم بوعي مقصود من أضرار بالمسار الديمقراطي لوطننا الحبيب؟
ولكي لا يتم ظلم أحد في مسألة التصنيف، وخاصة الزعامات الوطنية، نرى من الأفيد أن تنكب مؤسسات الدراسات السالفة الذكر (إذ نعتبر هذا العمل حق من حقوق الشعب المغربي السياسية)، على قياس جودة الفعل الميداني ما بعد عملية التنخيب أو الاختيار كيف ما كانت دوافعه، وذلك من خلال تحليل محاضر دورات المجالس الترابية وميزانياتها، ومراقبة جودة الاستثمارات والتجهيزات المختلفة، وتقييم تدبير الشأن الترابي وبلورة وتنفيذ المخططات التنموية، وتحميل المسؤولية للأحزاب السياسية الحاكمة، وتعميم المعلومة على المواطنين.... إن من واجب الدولة اليوم أن تعمل على البدء في ربط الشرعية السياسية للنخب الترابية ببرامج وحصيلة عملها وبالتالي إعطاء الانطلاقة لصقل "أذواق" الاختيار السياسي للأجيال من جديد على تعميم الحديث عن الرموز الحزبية عوض الأشخاص... والله الموفق.
هناك من سيقول لي، وهو يقرأ أو يسمع بمحتوى هذا المقال: الأخ بوخرطة لا زلت تغرد خارج الصرب، أكتب ما شئت وما تكتبه لا يبالي به أحد، خصوصا "الفاهمين المغمسين" أو الذين بدأو "التغماس"،...... لهؤلاء نقول، ليس في مقدورنا إلا أن ندعوا للكل بالهداية والمغفرة، وليس بمقدورنا أن نجيب اليوم بعبارة عبد اللطيف اللعبي المشهورة "حمار وبخير"...إلخ.
كما نوجه في الأخير رسالة لمن تنازل من النخب الجادة للوصول إلى سلطة القرار، ونقول له لن ندعمك إلا بالدعوات والتذرع لله عز وجل متمنيين لك التوفيق، وأننا سنكون إن شاء الله من المصفقين لك في حالة التأثير على مجرى أحداث المشاهد السياسية الترابية والرفع من جودة "الحكامتين" الترابية والأمنية.
