الصادق بنعلال
1 - شكلت الانتخابات الجماعية و الجهوية للرابع من شتنبر الجاري علامة فارقة في تاريخ الاستحقاقات المغربية المختلفة ، وذلك لأنها نظمت في سياق زمن عربي و إقليمي و دولي بالغ الخصوصية ؛ حيث تمكنت الدولة العميقة في كل أقطار الربيع العربي من الانقلاب على إرادة شعوبها عسكريا أو " مدنيا " ، و الدوس على المبادئ الديمقراطية المتعارف عليها أمميا ، و العودة مجددا إلى زمن التحكم و التسلط في " أبهى " صوره ! كل ذلك بتناغم لا تخطئه العين مع رغبة الدول الغربية " الحرة " في وأد أي استقلال تاريخي للأمة العربية ، و هكذا ظل المغرب وحيدا محافظا على استثنائيته ، تضيء " مصابيحه " فضاء الراهن العربي الغارق في محيط الفساد و الاستبداد . و الواقع أن الفوز الكاسح لحزب العدالة و التنمية ، و نجاحه غير المسبوق في معظم المدن المغربية المحورية ، هو فوز و نجاح للمملكة المغربية تحديدا ، خاصة و أن الاستحقاق المعني بالأمر مر حسب مراقبين دوليين و مغاربة في مناخ من الشفافية و التنافس الحر و الحياد الإيجابي للمسؤولين الحكوميين ، رغم ما اعتراه من بعض المسلكيات المعهودة .
2 - و لئن كان بعض " الخبراء الجامعيين " قد تنبؤوا سابقا بهزيمة مدوية لرفقاء السيد عبد الإله بنكيران ، بسبب قراراته " اللاشعبية " ، و " تجرئه " على المساس بمصالح الطبقات الاجتماعية المستضعفة ، و " تنازله " غير المبرر عن سلطاته التي منحها له الدستور الجديد ، فإن النتيجة جاءت عكسية تماما . و السؤال الذي يتبادر إلى ذهن المتتبع المحايد و المحلل الموضوعي ، هو لماذا تقدم حزب العدالة و التنمية " المحافظ " و تراجعت الهيئات " الحداثية " في هذا الاستحقاق النوعي ؟ للإجابة على هكذا سؤال لا يحتاج المرء إلى ترسانة من المعارف و المناهج السياسية ، بقدر ما يحتاج إلى الإنصات إلى نبض الشعب و استكناه آلامه و أحلامه ، و في هذا السياق وجد الحزب الإسلامي المعتدل ، و الذي لا يتجاوز عمره السياسي العقدين ، و الذي اشتهر بوحدة صفه و وضوح رؤيته و احترامه للمعايير الديمقراطية التشاركية الداخلية و الخارجية ، و حبه غير المحدود للوطن .. وجد نفسه أمام منافسين مفتقدين للحد الأدنى من المصداقية و نظافة اليد ! فمن جهة نجد حزبا " كبيرا " يتبنى مشروعا " حداثيا ديمقراطيا " ، و يسعى إلى حرث الأركان الأربع للمملكة ألفى نفسه مطرودا من كبريات المدن المغربية ، منزويا بين شعاب المداشر و الدواوير ، و من جهة أخرى نجد كيانين سياسيين وطنيين لهما ماض عريق و نضال مشهود ، هما حزبا علال الفاسي و المهدي بنبركة ، بيد أنهما أصبحا بين يدي محترفي الشعبوية و صانعي المكائد و إشعال الحرائق ، أما الهيئات السياسية المجهرية الأخرى ، فقد ثبت بما لا يدع مجال للشك أن وجودها عدم !
3 - و نحن إذ ننوه بالمجهودات الأسطورية ، و الحصاد الانتخابي المذهل لحزب العدالة و التنمية ، فإننا لا نوقع له شيكا على بياض ، بقدر ما أننا نذكره بأن الثقة التي طوقها به الشعب المغربي ممثلا فيما يقارب المليونين من المواطنين تحتاج إلى تحية أحسن و أفضل ، و إنجاز ملموس يعود بالخير المادي و المعنوي على ساكنة المدن و الجهات ، و أن يستمر في سياسة القرب و الدفاع المستميت عن الإنسان المغربي أينما كان . و في انتظار أن يقدم الأمناء العامون للأحزاب السياسية الراسبة استقالتهم ، و ينسحبوا نهائيا من الحياة السياسية بهدوء و روح وطنية ، و في انتظار أن يعيد أدعياء الحداثة و العلمانية النظر في جهازهم المفاهيمي ، و نظرتهم " الفلسفية " إلى خصوصية الواقع المغربي و قيمه الحضارية و الثقافية و الدينية ، لا يسعنا إلا أن نترقب بحب جارف مغربا آخر ميسمه الانتقال الديمقراطي الفعلي القائم على التبني الأمثل للقيم و المعايير الإنسانية الخالدة ، من عدل و تسامح و حرية و كرامة .. !
