خالد العمراني
القصة 1: نسج من خيال السفسطائيين
يحكى أن اختصاصيا في التنقيب عن الكنوز والمال والذهب قد أوصى رجلا على ألا يخاف ولا يتكلم عند مشاركته عملية الحفر ولو خرج قط أو أسد أوثعبان.ذهبا معا ليحفرا عن الكنوز،قرأ المختص تلاوات وقراءات مجهولة المعنى، ألقى بورقة مكتوب عليها طلاسم،طارت الرياح بالورقة حتى وقعت بمكان ما. قال المختص للرجل : بهذا المكان بالضبط يوجد الكنز ومن هنا سنصير أغنياء كبارا.
أخذ الرجل يحفر ويحفر والمختص يتلو،فجأة بدا لهم بغل ثم كلب ثم حية تسعى، لكن صاحبنا لم يتأثر لما رأى، لأنه وضع نصب عينيه المال.
في النهاية خرج زنبور،وضعه المختص في قصبة على شكل أسطواني ثم أغلقها، لقد كان القبض على الزنبور هو أهم حدث بالنسبة لأختصاصي الكنوز في ليلة ظلماء صماء،فالزنبور هو ذلك العفريت الذي سيحضر الكنز، في إعادة لمشهد إحضار عرش بلقيس بين يدي نبي الله سليمان.
فتح الرجل الحفارعينه ليجد نفسه مرميا في بلاد بعيدة، لم يدري من جاء به إلى هناك،فتح عينيه فوجد نفسه منكسرة يائسة.
ظل يمشي قاصدا العودة وفي الطريق تحول إلى بوهالي، ثم مجنون أو مسكون، ثم مجدوب يجلس الناس إليه ليأخذوا عنه الحكم المبطنة.إنها رحلة البحث عن الزنبور السحري كما تحكيها أساطير بلدتي في بحث عن غنى سريع.
إذا كانت هذه القصة حديث الناس منذ القدم حول الإغتناء بشكل سريع وبشكل ينسج بين الواقع وما وراء الواقع، فإن قصة رجل آخر هي أقرب للواقعية، وتتكرر في مكان له قابلية حدوث مثل هذه الوقائع،وإليكم القصة2 :
كان الرجل محبا للأرض بشكل جنوني،ارتمى في ملك غابوي فأخذ يقطع الأشجار لعله يسيطر على مساحات شاسعة كي يحرثها ليغتني،أحدث آثارا بليغة بغابة كانت ملكا جماعيا،حرث تلك المساحة كلها،سقطت الأمطار بشكل متوازن فكان العام ناجحا.كان يملك البقر وزوجته رقية، وأطفاله الكثر،منهم من أصابه مرض الكزاز.
مرت سنوات وهو يستغل هذه الأراضي الواسعة،يبيع محصولها من الكيف حتى صار يضرب به المثل بقريته في النشاط والعمل الدؤوب (الغندرة)،وبفضل عمله تمكن من تملك كمية مهمة من هذه السلعة.
في وقت من الأوقات قرر صاحبنا تغيير الإطار،قرر أن يتاجر،لقد حصلت طفرة في تفكير الرجل ليتحول من فلاح إلى تاجر،خلع الجلباب التي جبل على ارتدائها ليعوضها بسروال الجنز وجاكيت وطربوش من نوع(كاسكيطة)، أخذ ينسج العلاقات،اشترى سيارة سريعة من نوع Golf 6.
أخذ صديقنا الفلاح يخرج ويسافر مع أصدقائه التجار (البزنازة)،
زار معهم بعض كبريات المدن،حتى ولج نوادي ليلية مشهورة ومصنفة،هناك حيث سيشاهد فتيات جميلات، سيعقر خمرا وسيطرب بسماع موسيقى الروك والجاز،سيرقص على إيقاع أغنية سيلين ديون ولو أنه لا يدري أنها تخاطبه:je voudrais parler à mon pére،فربما صغيرته التي تركها في باديته تتمنى رؤية أبيها.
أحس أنه ولد لأول مرة، فزوجته رقية بعيدة كل البعد عن إتقان الماكياجات والرقص،وضوء غرفته لا يضاهي الأضواء المتلئلئة فوقه في النوادي،صار مدمنا ويتعاطى الشيشة.لم يعد يحب اللبن على الإطلاق لأن اللبن مرادف للبقر، والبقر مرادف لزوجته رقية، ورقية مرادف لحياة بئيسة كانت تسلب منه المتعة،متعة لا يمكنها إتقانها أمامه لكونها من تربية مختلفة ومن مجتمع مختلف.
أدمن حياة المجون والصخب،كما أدمن الذهاب في النهار لسوبر ماركت لأجل التبضع دافعا صندوقه المتحرك أسوة بأهل الحضر.صار يقطن شقة جميلة بحي راق،أما زوجته رقية فلا تراه سوى لماما ويتحاشى السفر بجانبها،كيف لا وهي التي تلبس جلابة عادية وترتدي حذاء بسيطا وتسريحة شعرها تقسم رأسها نصفين في لون أسود طبيعي.
كان يتعفف عن مرافقتها،معتقدا أن كل أهل المدينة له مشاهدين.
في ليلة من الليالي جالس مجموعة من أصدقائه التجار،شربوا حتى الثمالة،تكلموا عن طرق الوصول إلى القمة،فالمجد يمر عن طريق المغامرة،أقنعوه بصفقة على شكل شراكة بينه وبينهم،عليه التكلف بالمادة الخام وعليهم التكلف بالطريق،تم الإتفاق بالتراضي لأن صديقنا لا يرى سوى اليوم الذي سيملك عمارات داخل الوطن وعقارات خارج الوطن وضيعات فلاحية حديثة لا تذكره بباديته،هكذا وعدوه.
جاء اليوم الفصل ليسلمهم البضاعة،تم التسليم بشكل سلس،أخذوا كل سلعته وأبلغوه أنه بعد شهر سيسلموه المال الوفير،كان يعتقد في مخيلته أن شخصه سيصير قارون عصره.
بعد مرور شهر هاتف الأصدقاء فوجد صوتا يخاطبه"أنا لست في التغطية،بعد قليل كرر المناداة".
أخذ يكرر ويكرر للمرة السبعين ونفس الصوت يجيبه حتى تيقن أن الهاتف مغلق وأنها علبة صوتية ليس إلا.بدأت هستريا الغضب والانفعال تسري بعروقه،قرر الجلوس بتلك الأماكن التي كانوا يرتادونها لعل الصدفة تقوده إليهم لكن بلا جدوى.
في يوم ما التقى بهم في أحد الكبريهات،كانوا يلبسون أفخم الثياب، يعلقون سلاسل ذهبية ويركنون أفخم السيارات، بينما هو يلبس حذاء من سوق الخردة وألبسة وطربوشا من العهد البائد.طالبهم بنصيبه من المال،عندها قال له أحدهم:"لقد وقعت البضاعة بيد الجمارك،وقد كنا في السجن ولنا فضل عليك أننا لم نبلغ عنك،وسلعتك لا بركة فيها(الكافي)،وقلبك منحوس،لكن وجدنا طريقة جيدة لتهريب السلعة،فإن زودتنا بالبضاعة هذه المرَّة،فسنعيد الكرَّة، وستسلم الجرَّة،وستفارق الحياة المُرَّة،فالقادم كله خير كبير".
لكنهم كانوا يكذبون، فقد باعوا البضاعة وتركوه لأنه بواجدي ولا يعرف فنون اللعب في المحظور والسوق السوداء.
بعد فراغ جيبه تماما عاد لقريته ولرقيته،عاد بعد أن مر من تجربة مريرة أصابته بصدمة نفسية عميقة لازمته طول حياته،عاد بعد أن حفر عن الكنز فأخذوا الكنز وألقوا به بعيدا بعيدا عن المجد والثراء،عاد ليصبح له لقب"بوهالي" بين سكان قريته يتنابزون به تشفيا فيه، لكونه كان ينطلق من بينهم مخلفا غبارا لا قبل للناس به،لأنه كان يظن أنهم حشرات،وأنه لهم في فراق،بينما اعتقد أنه من جنس راق.فسبحان مبدل الأحوال.
القصة من نسج خيالي وأي تشابه فهو من باب الصدفة فقط.
