أسرة مصرية تعرب عن انبهارها بجمال المغرب وتشكر المغاربة على حُسن الضيافة والاستقبال

المنتخب السوداني يصل طنجة استعدادا لمواجهة المنتخب السينغال

روينة البوناني بكازا .. شجار عنيف قرب ماكدونالدز ومجهولون يرمون شخصاً من قنطرة بحي التيسير

شاهد كيف أمنت العناصر الامنية بوجدة مداخل المدينة والطرق المؤدية للحدود الجزائرية ليلة رأس السنة

الصرامة وتوقيف المخالفين للقانون.. أمن طنجة يؤمن المواطنين ليلة رأس السنة بخطة محكمة

كلاب بوليسية مدربة وتنقيط المشتبه فيهم.. هكذا مرّت ليلة رأس السنة بالسدود القضائية بتطوان

!وزيرة جوج فرنك بين أحمد أمين وصدى الجبل

!وزيرة جوج فرنك بين أحمد أمين وصدى الجبل

عبدالفتاح المنطري

 

 

يقول الأديب المصري المرحوم أحمد أمين، وكأنه يحيا بيننا اليوم في رسالته العظيمة ( إلى ولدي )، والمقررة في بعض الأقسام الابتدائية المغربية (بتصرف) :أي بني ! إن للذوق مراحل كمراحل الطريق ، ودرجات كدرجات السلم . فهو يبدأ بادراك الجمال الحسي : من صورة جميلة ، ووجه جميل ، وزهرة جميلة ، ومنظر طبيعي جميل . ثم إذا أحسنت تربيته ارتقى إلى إدراك جمال المعاني : فهو يكره القبح في الضعة والذلة ، ويعشق الجمال في الكرامة والعزة ، وينفر من أن يَظلم أو يُظلم ويُحب أن يَعدل ويُعدل معه ، ثم إذا هو ارتقى في الذوق كره القُبح في أُمته وأحب الجمال فيها ، فهو ينفر من قبح البؤس والفقر والظلم فيها ، وينشد جمال الرخاء والعدل في معاملتها إلى مستوى المصلحين . فالإصلاح المؤسس على العقل وحده لا يجدي ، وإنما يجدي الإصلاح المؤسس على العقل والذوق جميعاً

فعلى هذا الأساس نظم ذوقك : استشعر الجمال في مأْكلك وملبسك ومسكنك ، وصادق الزهور وتعشقها ، ثم انشد الجمال في مجال الطبيعة ومد بين قلبك ومناظر البساتين والحدائق – والسماء ونجومها ، والشمس ومطلعها ومغيبها ، والبحار وأمواجها والجبال وجلالها – خيوطاً حريرية دقيقة تتموج بموجاتها ، وتهتز بهزاتها ، ثم انظر إلى الأخلاق على أن فضائلها جمال ، ورذائلها قبح

بل إني أجزم لو وجدت طائفة كبيرة من أمثال هؤلاء الذين رقي ذوقهم إلى هذا الحد في أُمة ، لنهضوا بها وأعلو شأنها ، إن أمثال هؤلاء من أصحاب الذوق الرفيق لو تولوا شؤون السياسة ورياسة الأحزاب لكانوا مثلا في حب الخير ، ورقة القلب ، وإدراك يجب أن يعمل وكيف يعمل وما يجب أن يترك وكيف يترك . ولو كان أمثال هؤلاء رؤساء مصالح ، أو مديري أعمال ، لوجهوا همتهم لإتقان عملهم ، وإيصال الخير لذويهم ، وتحري وجوه النفع لمن يلوذ بهم

أي بني

إنك محتاج إلى مجهود جبار ، وإرادة قوية لتربية ذوقك ، وإرهاف شعورك بالجمال ، فكل ما حولك مفسد للذوق ، متلف للمشاعر السامية : بيوت لم يعن فيها بالجمال ، وشوارع لم يعن فيها بنظافة ولا نظام ، وترام تكدس فيه الناس أسوأ مما تكدست علب السردين ، وهرجلة وفوضى وضوضاءٌ في دور المحاضرات والسينما والتمثيل ، ومهاترة غير نبيلة بين الجرائد الحزبية ، وارتباك واضطراب وسوء معاملات في المكاتب الحكومية وغير الحكومية ، ورؤية البؤس والمرض والفقر والجهل والقذارة على الأرصفة في المدن ، وبين الفلاحين في القرى ، وبين العمال في المصانع ، ونبوّ في أحاديث المتحدثين ، وفي النكت بين المتنادرين ، ومئات ومئات غير ذلك ، وكلها كفيلة أن تفسد الذوق وتقضي عليه فتربيتك لذوقك واحتفاظك به سامياً لا يتأثر بهذه المفاسد ، أمر عسير لا يُنال إلا ببذل الجهد وقوة العزم

ليس عندي نصيحة لك أعلى من أن تكون ذوقك ثم تنميه وترقيه . فإن فعلت ذلك ضمنت لك سعادة الحياة والاستمتاع بها ، وضمنت لك سمو أخلاقك ونبل عواطفك وضمنت لكن نجاحك على قدر كفايتك ، والله يوفقك

أكبر ما يؤلمني فيك وفي أمثالك من الشبان ، أنكم فهمتم الحقوق أكثر مما فهمتم الواجب ، وطالبتم غيركم بحقوقكم أكثر مما طالبتم أنفسكم بواجباتكم، والأُمة لا يستقيم أمرها إلا إذا تعادل في أبنائها الشعور بالحقوق والواجبات معاً ، ولم يطغ أحدهما على الآخر. وكل ما نرى في الأُمة من فساد وارتباك وفوضى وتدهور نشأ من عدم الشعور بالواجب . فلو تصورنا الموظفين في المصالح الحكومية شعروا بواجبهم نحو الأفراد فأدّوا ما عليهم في عدل وسرعة ، وأدّى الصانع ما عليه في صناعته ، وأدّت الحكومة ما عليها لشعبها ، لاستقامت الأُمور وقلّت الشكوىَ ، وسعد الناس بحكومتهم وسعدت الحكومة بشعبها ، ولكن أَّنى لنا ذلك وحاجتنا شديدة إلى تفهم الواجب والعمل على وفقه ؟

أي بني

لست أريدك أن تكون راهبا ، فمتى خلقت إنساناً لا ملكا فلتكن إنسانا له ملذاته وشهواته في حدود عقله ومنفعته ومنفعة أمته  أريدك أن تفهم معنى اللذة في حدودها الواسعة لا الضيقة .. إن اللذة درجات كدرجات السلّم آخذة في الصعود ، فأسفل درجاتها لذة الأكل والشرب واللباس ، وما إلى ذلك . ومن غريب امر هذه اللذة أنها تفقد قيمتها بعد الاستمتاع بقليل منها ، ثم هي ليست مرادفة للسعادة ، فكثير ممن يأكلون الأكل الفاخر ، ويلبسون اللباس الأنيق ، .... هم مع ذلك أشقياء .. ثم هذه اللذائذ قيمتها في الاعتدال فيها ، وعدم التهافت على كسبها ، إن شئت فاحسب حساب من أفرط فيها في فترة قصيرة من الزمن ثم فقد صحته ، فلم يعد يستطيع أن يتابع لذته ، وحساب من اعتدل فطال زمن لذته مضافا إلى لذته من صحته

كلام من ذهب منثور من وحي القلم لهذا الكاتب الكبيرالملتزم، مفخرة مصر والعرب ، يتحدث ، وكأنه يشير إلى زماننا هذا في

 تربية الذوق ،ويحيلنا هذا إلى الجدل الذي أثارته "زلة لسان"جوج فرنك من فاه الوزيرة المائية وما أججته من غضب شعبي فايسبوكي وإعلامي ، حيث انتصب جدل آخر من وراء جبل المدونات له صدى أكبريدفع في اتجاه "إعادة الحساب" وترسيخ قيم العدل والمساواة في الأجوروالعلاوات والامتيازات العينية والنقدية بين كل فئات المجتمع ،بين الحكام والمحكومين في بلد مثقل بالديون وليس به- فيما يبدو- بترول ولاغازولا يملك ما يملك غيره من البلدان الثرية جدا

بل منهم من ذهب إلى اشتراط إلغاء معاشات الوزراء والبرلمانيين للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة ، والواقع أن الأمر قد يتحول إلى مجرد صيحة في واد ونفخة في رماد إذا لم ترافقها إرادة حقيقية للإصلاح من قبل مدبري الشأن العام ...فهذا جزء من نداء الشعب ، شعب الفئة المتوسطة والمتواضعة الدخل ، فلا يعقل أن تظل الفوارق صارخة بين فئات الوطن الواحد ، كما لا يعقل أن يؤدي وحده الموظف أوالمستخدم أوالمواطن البسيط والمتوسط فاتورة محاولة إصلاح ما أفسدته سياسات سنوات مضت ، وأن يتجنب الحديث عن الأموال العمومية وشبه العمومية والامتيازات العينية والنقدية وتعويضات بدل تنقل وبدل سكن وخلافه، يومية كانت أو دورية أوفصلية أو سنوية والتي قد يحظى بها ممثلو الأمة أو مسؤولون أو موظفون في سلك الدولة والقطاعات المرتبطة بها جزئيا أو كليا كالمكاتب والشركات التي يساهم فيها المال العمومي بقسط أوفر، وقد تستنزف هي بدورها الميزانية العامة وتحدث الثقوب فيها كل سنة إذا لم يتم ترشيدها

وقد أفردت هذه الدعوات الشعبية عبرمواقع التواصل الاجتماعي ، صفحات و مدخلات ومخرجات تكشف مقارنات بين مكاسب وأجورومعاشات البرلمانيين والمسؤولين في دول أوروبية وأمريكية وبين مكاسب وأجورومعاشات البرلمانيين والمسؤولين عندنا ، والأمرمتاح للعرض لكل مبحرعبر الشبكة العنكبوتية، فلم يعد هناك تعتيم أوتكريس للرأي الواحد والوحيد

إن القضية تحتاج بكل صدق إلى نقاش طويل عريض ، وأختم هنا بما بدأت به من قول حكيم أمين لشاهدنا أحمد أمين : كل ما نرى في الأمة من فساد وارتباك

 وفوضى وتدهور، نشأ من عدم شعور الفرد بالواجب

وفي معرض آخر: إن الإصلاح المؤسس على العقل وحده لا يجدي و إنما يجديالإصلاح المؤسس على العقل والذوق جميعا


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات