الصادق بنعلال
و ما الحرب إلا ما علمتم و ذقتم و ما هو عنها بالحديث المرجم
زهير بن أبي سلمى " الجاهلي "
1 - ننطلق في هذه الورقة من قناعة مبدئية ، و هي أن المملكة العربية السعودية دولة عربية مركزية ، و ذات وضع اعتباري بالغ الأهمية دينيا و عسكريا و ماليا ، و بالتالي فإننا لا يمكن إلا أن ننصرها مظلومة بالوقوف جنبها و إمدادها بالجيش و العتاد لرفع الظلم عنها ، و تجنيبها ما قد يصيبها لا قدر الله من مخاطر و مآسي ، نأباها لأي قطر عربي مهما " علا " أو " صغر " شأنه ، و ننصرها ظالمة بتنبيهها إلى الأخطاء و الزلات التي قد تصدر عن مسؤوليها ، و تحذيرها من مغبة اتباع السبل غير الحكيمة و المغامرة / المقامرة التي من شأنها أن " تصعد " بها إلى المجهول !
2 - و يؤلمنا القول إن الطبقة الحاكمة الراهنة في السعودية بفعل افتقادها البوصلة الناجعة ، و الحكم الرشيد الذي يحميها من القرارات المتسرعة ، غير الخاضعة للنظرة الاستراتيجية المتوازنة و المقاربة السياسية الراجحة ، فإنها في أمس الحاجة إلى من يصدقها القول ، لا إلى من يصدقها في بعض نزعاتها غير محسوبة العواقب . و لعل الحرب التي أعلنتها في مناخ " عاصف و حازم " على الشعب اليمني بما صاحب هذه " الغزوة " اليمنية من مجازر و دمار و خسائر في الأرواح و العتاد ، تشكل انعطافة مفصلية في مسيرة تعاطي السعوديين " المهادن و العقلاني و الواقعي " مع قضايا الداخل و إشكالات المنطقة العربية و العالم . صحيح أنها أعلنت هذه الحرب المأساوية بعد " نفاذ " صبرها من نوايا التمدد الإيراني ، و سياسة طهران في الهيمنة على عدد من " الأقطار " العربية ذات التمثيلية الشيعية المعتبرة ، بيد أن هناك ألف خيار و خيار للتعامل مع هكذا واقع موسوم بتشابك المصالح و تداخل الأغراض الجيوستراتيجية الإقليمية و الدولية . و لعل أهم ورقة رابحة دون أدنى شك ، كانت هي مد اليد البيضاء و الكريمة للشعب اليمني " الشقيق " ، و إدماجه في مجلس التعاون الخليجي ، و إعادة إعمار اليمن السعيد بعد سنوات عجاف من حكم الطاغية عبد الله صالح ، و ما صاحب الربيع العربي من جراح و آلام ..
3 - كما أن إقدام " أصحاب القرار " في السعودية على تنفيذ " حكم " الإعدام في حق سبعة و أربعين شخصا مؤخرا ، المنتمين منهم إلى السنة و الشيعة ، بدعوى محاربة " الإرهاب " هو سلوك سياسوي بالغ البشاعة و الطيش و التهور ، فلئن كان من حق الأنظمة في العالم الدفاع عن أمنها و سلامة مواطنيها و استقرار وضعها السوسيو اقتصادي و السياسي ، و اجتراح قوانين جديدة من شانها أن تقوي جهازها الأمني ، و تقي نموذج حياتها من " مخاطر " الاجتياح الثقافي و الديني الأجنبي .. فإن هذا الحق يجب أن يكون مسنودا بنسق سياسي ديمقراطي سليم ، يضمن قيم الحرية و المساواة و العدالة و الكرامة ، و الحال أن شيئا من هذا لا وجود له مطلقا لا في المملكة السعودية و لا في أي قطر عربي آخر ، و كان من الأولى على أصحاب " الفخامة و العظمة " من الأمراء السعوديين و ما أكثرهم ، أن ينهجوا سبيلا واحدا " لا شريك له " ؛ أن يعتنوا بالأوضاع الاجتماعية و الحقوقية و الدينية لكل المواطنين بدون استثناء ، و خاصة سكان محافظة القطيف معقل السعوديين الشيعة ، و يلحقوها بالدورة الاقتصادية للمملكة ، و يكفلوا لهم حقوقهم في التعبير عن الرأي و المعتقد ، و يسمحوا لهم بالولوج إلى مختلف المناصب السياسية و الاجتماعية و الدينية .. حتى لا يشعروا بأنهم منبوذون و محتقرون و مضطهدون ، و في هذه الحالة لن تقدر إيران و لا أي دولة أخرى على التأثير السلبي على شيعة المملكة ، و جعلهم يفكرون في الثورة و الانتفاضة و الانفصال ، بل إن المملكة المعنية بالأمر وقتئذ ستقي حاضرها و مستقبلها من مصير دراماتيكي مرعب .
4 - و انطلاقا مما سبق فإن على المملكة السعودية التي لا نضمر لها إلا الخير و النماء ، أن تتجب ما أمكن ، الرهان على الأسوأ في تعاملها مع الأحداث الإقليمية تحديدا ، فإن حربا مع إيران في سياق دولي منذر بالانفجار ، قد تضع حدا للوجود العربي ، و أن تدرك أيضا بجلاء و وضوح أن القاعدة الذهبية التي يجب أن تعض عليها بالنواجذ ، هي حتمية إعادة النظر في نظامها السياسي المتقادم و المنتهي الصلاحية ، و أن تبدأ اليوم قبل الغد ، في الإعداد لبلورة نسق سياسي حديث لا يتعارض بالمرة مع مقتضيات الدين الإسلامي الحنيف ، نسق يؤمن بالديمقراطية منهجا وحيدا في تدبير الشأن العام ، و تجسيد تجربة سياسية عصرية ، تنفتح على الشباب رجالا و نساء في مختلف مناحي الحياة ، و فسح المجال للتعددية للسياسية ، و المنافسة الشريفة بين الهيئات الحزبية للتداول السلمي على السلطة ، و إيجاد مناخ يكفل الفصل بين السلطات و احترام المواثيق و القوانين و الأعراف الدولية ، و تفتيت البنية التحتية للدولة العميقة ، و توزيع عادل للثروة بين أبناء الشعب مهما كانت انتماءاتهم الدينية و الجنسية و الأيديولوجية .. و إلا فإن القادم قد يكون ... أخطر .
