يوسف الإدريسي
تعيش بلادنا مثل جل الأقطار الإسلامية العربية ، رجّة قوية و نوعية تندرج في إطار ما أصبح يسمى بربيع الشعوب العربية ، حيث خرجت هذه الشعوب عن بكرة أبيها ، فرادى و جماعات لتعلن عن فصال اضطراري و انبعاث حضاري قد يرجّح كفة المواطن العربي المستضعف .
وبالفعل وقعت تحولات نفسية و فكرية لدى الإنسان المغربي المقهور على المستوى الفردي و الجماعي ، أفرزت لنا تقدّم واضح في أفق صياغة علاقة جديدة بين المواطن و الحاكم يحدد معالمها ميثاق شامل ينسجم مع شروط و معايير تحقيق مبادئ المواطنة الحقيقية ، ويُجنّب البلاد الانزلاق نحو الهاوية و المضي في طريق المجهول ، الذي تسعى إليه و تدفعنا نحوه بعض الجهات الانتهازية التي تقتات من مائدة الفساد و الاستبداد .
بالطبع ، منظرو الأجهزة الحاكمة في المغرب سيجتهدون في إيجاد حلول للحد من تداعيات و تأثيرات هذا الوعي الشعبي الطارئ في اعتقادهم ، بحيث أصبحنا نسمع من أبواق هذه الأجهزة توليفات متناغمة و متناسقة تروّج لبضاعة سياسية ملغومة من قبيل " تفعيل بنود الدستور الجديد " و " الحكامة الجيدة "..... وكأن الأمر يتعلق بمسرحية قديمة تم إحداث تعديلات لها على مستوى السيناريو مع الحفاظ على شخصيات البطولة ، لكن يبدو أن المشاهد المغربي بدأ يتفاعل مع برامج تلفزيون الواقع الذي لا يعترف بالنصوص المكتوبة أو المشهدية المفبركة مسبقا بل يكشف للعالم حقيقة الناس و يستعرض ردود أفعالهم الطبيعية ، حيث أدرك أن الدستور الحقيقي هو المنبثق عن جمعية تأسيسية مدنية دون إقصاء أي حساسية مجتمعية ، وأن الحكامة الجيدة تتجسد بشكل مبدئي في التعبير عن ممارسة السلطة و ليس هامش السلطة و هي أيضا تصريف سياسي تقوم به قيادات منتخبة و أطر إدارية كفأة لتحسين ظروف عيش المواطنين و تحقيق كرامتهم الإنسانية ، وذلك برضاهم و دعمهم و مشاركتهم .
لكن للأسف عوض أن نلمس من حكومة الربيع المغربي أسلوبا جديدا في التدبير يدعو لتذويب الحدود و الفوارق المجتمعية و إعطاء نبرة سياسية إحيائية تستجيب لمطالب الشعب الشرعية ، بدأنا نسمع خطابات تعويمية تعتيمية تقفز على الأحداث في محاولة يائسة للتمويه على الرأي العام و تكريس سياسة الاغتصاب السياسي البعيدة كل البعد عن مبادئ الحكامة الرشيدة . و لعل دعوة الوزير المنتدب المكلف بالشؤون العامة و الحكامة إلى إحداث صندوق للزكاة مهمته الرئيسية ضخ أموال إضافية في صندوق المقاصة مصدرها جيوب الشعب المغربي المستضعف ، خير برهان على العبث السياسي الذي طال أجهزة التشريع و التنفيذ في المغرب ، علما أن حصة الأسد من هذا الصندوق تكون من نصيب الأخطبوط التجاري و الصناعي المتجسد في الشركات العملاقة التي تستنزف خيرات البلاد و العباد ، و هذا يتنافى مع مضامين الآية التي حددت مصاريف الزكاة ، قال الله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) .
في حين كان من الأجدر على منظري الحكامة المغربية أن يفكروا في خطة إجرائية لتقليص الضرائب السريالية التي أجهزت على طموحات المواطن المغربي ، بدل أن يثقلوا كاهل المغاربة بجبايات هي أشبه بأحكام قضائية جائرة .
ومن نافلة القول أنه تبين من خلال مائة يوم من عمر الحكومة المغربية الحالية ، العمق الاستراتيجي العقيم الذي هو في الأصل ليس إلا طريقة تمويهية لإخماد لهيب نار تعتلي عالي الأسوار و تواجه نهم الأغيار.....فهل تفلح الأفكار في انبعاث الأنوار أم نترك بلدنا لمشيئة الأقدار .
