مصطفى صادقي
نشرت بعض المواقع الإلكترونية مقالة مختصرة للدكتور أحمد الريسوني، ينتقد فيها الأساتذة المتدربين ويصفهم ومسلكهم النضالي بنعوت قبيحة. والغريب في شأن هذه المقالة -على صغرها- أمور ثلاثة:
الأول، توقيت نشرها الذي تزامن مع إرهاصات الحل لهذا الملف، فبعد أن استجابت الحكومة لحوار جدي، وأخذت مهلة للرد على مقترحات الحل التي طرحتها المبادرة المدنية ووافقت عليها تنسيقية الأساتذة المتدربين، وأيدتها النقابات... تأتي هذه المقالة وكأنها تستعدي المسؤولين وتغريهم بالإصرار على موقفهم المتصلب تجاه أساتذة الغد، على اعتبار أنهم مجرد غوغائيين وفوضويين، يريدون إنزال أهل الحكم والشرعية على أهوائهم وإملاءاتهم...!؟
الثاني، أن الأسس التي بنيت عليها المقالة توحي بقلة اطلاع الكاتب على أصل المشكل وعلى حيثياته، فقد بنى آراءه على انطباعات أولية، وكأن القضية في بداياتها، وكأنها لم يمض عليها أزيد من خمسة أشهر حبلى بالتفاعلات والمناقشات والتوضيحات لجوانبها القانونية والتربوية...
الثالث، اشتمالها على أحكام متسرعة وخطيرة، لا يصح أن تبنى على مجرد الانطباعات والتوهمات، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. ولا يقال بأن المقالة مجرد رأي فكري لا علاقة له بالحكم المؤصل، فقد احتوت المقالة على ثلاثة أحكام فقهية ظاهرة: حكم أول يصف طبيعة النازلة بكونها "خروج" طائفة من الشعب على أصحاب الحكم الشرعي، ورفض إنفاذ أمرهم المشروع من خلال "قطع الطرق" والتظاهر. فالكاتب يصنف النازلة ضمن فقه الخروج والبغي، أو قل ضمن درجة دنيا من درجاته. وحكم ثان يتصل بعدالة أساتذة الغد، إذ يحكم على جيلهم بالجرح، فهم بين هاوٍ للغوغائية ومحترف لها، وأنهم غير مأتمنين على تربية أبنائنا، وأنهم طلاب امتيازات على خمولهم وكسلهم، وأنهم مدمنو عنف ومشاكسة ضد الحكومة اليوم وضد المديرين والنظار...غدا بعد التعيين. والحكم الثالث التزام شخصي بأن ينقذ أحفاده من خطر أساتذة الغد إن قدر لأحدهم أن يكون تلميذا عند أستاذ من عامتهم أو قياداتهم، مهما كلفه ذلك من ثمن.
لقد قرأت مثل هذا الكلام كثيرا، وكنت أضرب عنه صفحا، ولكن الذي دعاني للرد والتوضيح اليوم، أن كاتب المقالة فقيه أصولي مقاصدي، نقدر علمه وجهوده، لا يصح أن يصدر عنه القول دون تثبت واطلاع على دقائق الأمور وتفاصيلها. فأقول اختصارا -على طريقة التقييد على المتن-:
"وضد مرسومين حكوميين يقضيان بالتفريق بين التكوين والتوظيف في الوظائف التعليمية" بل يقضي أحدهما بفصل التوظيف عن التكوين (في ثلاثة أسلاك من إطارات الأساتذة وليس في كل الوظائف التعليمية) ويقضي الثاني بتخفيض المنحة إلى أقل من النصف، فهل من الحكمة أن تتراجع الحكومة عن مصالح وامتيازات رسختها حكومات سابقة؟ اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور.
"لقد أصبحنا أمام جيل جديد من المدَرّسين المحتملين يريد -هو ومن معه- أن يرغم الحكومة والبرلمان على تغيير القوانين الدستورية المعتمدة" أن يرغم الحكومة نعم لأنها هي من أصدر المرسومين، أما البرلمان فلا دخل له في القضية لأن المرسومين لم يعرضا عليه، ولم يستشر فيهما. أما قضية القوانين الدستورية فهي أصل المشكلة، لأن الحكومة تجاوزت الدستور وأرادت أن تفرض مرسوم فصل التوظيف عن التكوين بأثر رجعي، والواقع أنه لا يسري على هذا الجيل من الأساتذة. من جهة أخرى فإن الرفض للمرسومين لم يبدأ مع أساتذة الغد، بل سبقهم إلى ذلك أساتذتهم المكونون بما يقارب الإجماع، قبل أن يلتحق هذا الجيل بالمراكز، لأنهما صدرا معيبين شكلا ومضمونا، والمتتبعون يعرفون.
"وذلك لأجل أن يصبحوا موظفين وأساتذة بلا قيد ولا شرط، بل بشروطهم وإملاءاتهم هم" بل بشروط وقيود كثيرة: انتقاء أولي ومباراة كتابية ثم شفوية، فتكوين نظري وتداريب، ثم امتحان للتخرج عملي وكتابي وشفوي ومناقشة للبحوث، ثم بعد سنة من الاشتغال يكون امتحان الكفاءة التربوية. مع أن فئة عريضة منهم أمضت تكوينا تربويا لسنة كاملة بعد الإجازة، ومنهم من زاد فوق ذلك تكوينا لأربعمائة ساعة أخرى، وكثير منهم سبق له التدريس لسنوات بالتعليم الخصوصي أو العمومي في إطار سد الخصاص، فماذا أملى هؤلاء بعد أن استجابوا لكل هذه الشروط والقيود؟
"وهذه غوغائية وفوضوية... ولكن هذه النازلة أظهرت أن هواتها ومحترفيها معا، ما زالت لهم قدم راسخة في صفوف كثير من الحزبيين وأكثر النقابيين وغيرهم من العاطلين عن المبادئ وروح المسؤولية والمواطنة" إذا كان التظاهر لرفع القوانين الجائرة غوغائية وفوضوية، فهل يريد الكاتب من الشعب وشرائحه المقهورة أن تذعن لكل تصرف تقوم به السلطة التنفيذية؟ وإذا اجتمعت كلمة المعنيين بالأمر وخالفت قانونا أصدرته وزارة من الوزارات، فهل الغوغائية في الرفض المجمع عليه أم في التعنت في مواجهة المجمعين؟ فليكن في علم الكاتب أن المرسومين المذكورين مما اجمع على رفضهما الأساتذة المكونون بالمراكز، والأساتذة المتدربون، والنقابات والأحزاب المعارضة وبعض المشاركة في الحكومة، ولم يقبلهما إلا من كان متحيزا لفئته التي أصدرت القانونين، أو أحسن الظن على جهله بالتفاصيل.
"وأنا شخصيا لو علمت أن أحد أحفادي سيكون في قسم يُدرّسه ويحكمه أحد هؤلاء، لبادرت إلى نقله وتخليصه منه بأي ثمن" لقد ظلمتهم بحكمك هذا ولم تعرفهم عن كثب، فإني أشهد أن هذا الجيل من الأساتذة هو جيل فريد حقا، وإن كنت تميز بين "الأبطال الأشاوس" الذين يقودون النضال والأتباع الهواة، فأخبرك أن من قياداتهم الوطنية التي تعرفت عليها في حصص الدروس قبل بدء المعركة النضالية، من هم على درجة عالية من الخلق والأدب والتمكن من مجال تخصصهم، مع القدرة على التواصل والنباهة... ويكفيهم أنهم واجهوا صلافة وعنفها بالصبر والثبات والحلم، فأي خلق من ذلك تنكره؟ وأين ستجد لأحفادك من يحمل أفضل من هذه القيم؟
"وكثير من المسؤولين في المؤسسات التعليمية يتساءلون: إذا كان هؤلاء “الأساتذة” قد فعلوا ما فعلوا مع الحكومة ومع الدولة، فماذا سيفعلون مع المدير والناظر والحارس العام؟ وماذا سيفعلون مع تلاميذهم المساكين المغلوبين أمامهم؟!" هذا مصادرة على المطلوب، لأن فعلهم لا يذم إلا إذا كانت قضيتهم غير مشروعة، وإذا طالبوا بما لا حق لهم فيه، أما إن كانت مطالبهم عادلة وقانونية –وهو واقع الحال- ففعلهم حينذاك محمود بل مطلوب، لأنه شجاعة ودفاع عن الحق؛ ولا يتوجس منهم خيفة إلا مسؤول إداري يشتط في سلطته ولا ينضبط للقوانين. أما التلاميذ فما أحوجهم للأستاذ الذي يعلمهم الشجاعة والارتباط بالقضايا العادلة من واقع تجربته، بدل بلادة الحس وانعدام القضية الذي يسلط عليهم من كل صوب.
وأكتفي بهذه التعليقات الموجزة ففيها دلالة على أن الدكتور الريسوني قد تعجل استصدار الأحكام قبل أن يحيط علما بقضية الأساتذة المتدربين، ولولا مخافة الإطالة لفصلت في مسائل كثيرة تحتف بالمسألة، لأنني أتكلم عن خبرة بالموضوع بحكم المهنة والاهتمام، فأدعوا الأستاذ الريسوني لمراجعة الأمر وعدم الإساءة لأساتذة الغد بغير علم وبينة، والرجوع إلى الحق فضيلة.
