يوسف معضور
أتوجه من حين لآخر رفقة صديق لي إلى عربة متجولة لبائع " البابّوش" أو غلالة كما يسمه البعض، نتناول ما إستطعنا منه وبعد ذلك نعود أدراجنا... لكن قبل أيام تحولت تلك العربة المتجولة التي نتردد عليها إلى حلقة نقاش سياسي إنخرط فيه كل الزبناء الذين كانوا متواجدين انذاك والتي اختلفت أعمارهم وأجناسهم ومهنهم، لكن القاسم الوحيد الذي يجمعهم، هو الانتماء إلى نفس الفضاء أي يقتسمون بداخله نفس الهموم والواقع !
نماذج أناس بسطاء شاركوا في النقاش الدائر و الذي قد فتح شهية الكلام فيه، صديقي بسؤال موجه لي، حول المشاركة في الاستحقاقات الجماعية المقبلة و هل ستكون مكثفة؟ لتبدأ الأجوبة تتقاطر من طرف كل الزبناء المنهمكين في إخراج "البابوش" من صَدَفته بتلك الأداة التي تشبه عود الثقاب و التي تستعمل في إزالة بقايا الطعام بين الاسنان ! ليبدي كل رأيه في المسألة و في قضايا أخرى ترتبط بمعيشه اليومي كل يتدخل حسب مستواه التعليمي والثقافي بتوظيف المصطلحات التي يجدها تعبر عن رأيه، بعيدا عند المصطلحات الفضفاضة و المقاربات الطويلة العريضة و المخططات الخماسية التي يستعملها نواب الأمة و الوزراء و مسؤولي المؤسسات العمومية، و قريبا من بساطة في المفاهيم و تحديد الحاجيات و المتطلبات ...
صحيح هو حديث لا يحتكم إلى خبراء سياسة و لا إلى أساتذة جامعيين في مادة القانون الدستوري أو الشأن المحلي، و لا علماء إجتماع و نفس، و لكن حديث يُظهر إلى حد بعيد مدى وعي فئة من المواطنين بما يدور و ما يجب أن يُفعل، و أن ممارسة السياسة هي شيء واحد بلونين، لون مسؤول سياسي يتحدث لغة الخشب معزوفة بلحن التغيير و لون مواطن بسيط يتحدث بقدر كبير من التلقائية و الواقعية و الوضوح !
اكتشفت من خلال تلك الحلقة الحلزونية أن الحديث في السياسة لا يتحقق فقط بربطات العنق و البدلات الإيطالية و أمام أضواء الكاميرات، بل يمكن الحديث عن السياسة و الخوض فيها أيضا من طرف البسطاء، تحت إضاءة فتيل "البوطا الصغيرة" المعلقة بعربة مول "البابوش" في إحدى القيساريات بالاحياء الشعبية ! يوسف معضور
