حسن الفيلالي
تعتبر حماية حقوق وحريات الأشخاص مقياس الديمقراطية ،وضمان هذه الحقوق والحريات لن يتأتى إلا بتحديد مجالهما وربطهما بالمسؤولية بشكل واضح لايحتمل أكثر من تفسير ، ومن ثم فإن الصحافة هي المعنية بالدرجة الأولى من خلال ممارستها للحرية والحق في التعبير ،مما يستدعي توفر أمن قانوني في قانون الصحافة والنشر والقوانين ذات الصلة . ففكرة الأمن القانوني فكرة فضفاضة يصعب تحديدها وحصرها ،فهي عبارة عن وجود نوع من الثبات النسبي للعلاقات القانونية وحدا أدنى من الإستقرار للمراكز القانونية ،لغرض إشاعة الأمن والطمأنينة بين أطراف العلاقات القانونية بغض النظر عما إذا كانت أشخاص قانونية أم عامة ،بحيث يستطيع هؤلاء الأشخاص ترتيب أوضاعهم وفقا للأوضاع القانونية القائمة وقت مباشرتها لأعمالها دون أن تتعرض لمفاجآت أو أعمال لم تكن في الحسبان . فالأمن القانوني في قانون الصحافة له ارتباط وثيق بجهاز القضاء من حيث أن هذا الأخير هو الجهة المكلفة في البث في متابعات النيابة العامة وتطبيق النصوص القانونية بكل تجرد وحيادية واستقلالية . وهنا تكون قد إرتسمت معالم نظرية الأمن القانوني في علاقتها بالعمل القضائي ،وتأتي أهمية الموضوع من خلال كونه لازال من المواضيع الحديثة وبالتالي لازال موضوعا خصبا للبحث والدراسة فقليلة هي البحوث الأكاديمية التي تناولت الموضوع اللهم بعض المقالات في بعض المجلات المتخصصة . ولمقاربتي لهذا الموضوع إرتأيت طرح الإشكالية التالية : إلى أي حد تم تحقيق الأمن القانوني في قانون الصحافة من خلال العمل القضائي ؟ يعتبر الأمن القانوني وسيلة أساسية لتوفير الأمن القضائي بحيث لايمكن تصور أمن قضائي دون أمن قانوني سابق له على اعتبار أن القاضي يحاول تحقيق الأمن القضائي بالإعتماد على النص القانوني الصادر عن السلطة التشريعية فإن السلطة القضائية أو القضاء بدوره يساهم في توفير الأمن القانوني وذلك من خلال إجتهادات المحاكم التي تسهر على توحيد عمل محاكم الموضوع ،وعلى التطبيق السليم للقانون وعلى سد ثغرات التشريع من خلال الإجتهادات الصادرة عنه بين الفينة والأخرى .والقضاء بهذا العمل الذي أصبح مألوفا يساهم بطريقة أو بأخرى في سد ثغرات وفي حل معضلتي التحيين وعدم الملائمة التي يعاني منها التشريع المغربي والتي تعتبر إحدى أهم الأسباب في إنعدام الثقة وإنعدام الإحساس بالأمن لدى المرتفقين على مرفق القضاء . وبالتالي فالقضاء هو الحصن الأمين لحماية الحقوق والحريات والملاذ الأول الذي يلجأ إليه الأفراد لحماية حرياتهم وكرامتهم وأموالهم وسائر حقوقهم ،فالمسؤولية يتحملها الجميع من قضاة ومحامين ومجتمع مدني ،فإن ترسيخها لايكون له الأثر الحاسم إلا عن طريق الأحكام التي يختص حصريا بإصدارها القضاة . أما فيما يخص مسألة ترشيد العمل الصحفي تندرج أولا في دور القضاء في ترسيخ حقوق الإنسان بطريقة مباشرة من خلال تكريس مبادئ المحاكمة العادلة وحرصه على محاكمة الشخص أمام قاضيه الطبيعي وتفعيل ضمانات الدفاع عن المتهم وإحترام قرينة البراءة وتنظيم الإجراءات التي تعترض لحرية الشخص بآجال وشكليات مضبوطة يتولى القضاء مراقبة مدى إحترامها ،كما يتولى منع التوسع في التجريم والعقاب وملائمة العقوبة للفعل المجرم وظروفه ،فاستقلالية القضاء هي رباعية الأبعاد والدلالات اتجاه السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وسلطة المال وسلطة الإعلام .فالقاضي المستقل هو الذي يمكنه أن يصرح بأن قانونا ما هو مخالف لأحد الحقوق أو المبادئ الدستورية كالمساواة ،وهو الذي يمكنه أن يبطل قرارات إدارية لاتسامها بالشطط في استعمال السلطة أو بعيب في الشكل أو الإختصاص فبدون استقلال القضاء لايمكن للقاضي أن يفسر العبارات المنشورة في صحيفة للتمييز بين مايعتبر نقدا مباحا أو سبا مجرما . إن توفر الأمن القانوني في المغرب لابد أن يكون أولا على مستوى الدستور والقوانين السارية المفعول ومثال ذلك قانون الصحافة والنشر ذلك أن دراسة الدستور والتشريع من شأنها تبيان إلى أي حد تعتبر مقتضياتها واضحة وذات جودة عالية على مستوى الصياغة أولا ،كما يمكن أيضا قياس الأمن القانوني عن طريق معيار العمل القضائي لاسيما الدستوري والإداري لمعرفة مدى إسهامه في توضيح مافي النصوص من غموض وملئ مافيه من ثغرات . كخلاصة لما تم التطرق إليه يمكن القول أن قانون الصحافة مازالت تشوبه العديد من النقائص وأبرزها غياب أمن قانوني عن جل المواد والفصول وبالتالي فالمستهدف هنا ليست الجريدة فحسب وإنما المستهدف هو حرية التعبير . وختاما يمكن القول أنه لامعنى للصحافة دون وجود أمن قانوني .
