عادل اعياشي
الإعلام مصطلح يطلق على أية وسيلة أو تقنية رسمية أو غير رسمية مهمتها نشر الأخبار ونقل المعلومة، وقد وصفت بالسلطة الرابعة نظرا لتأثيرها العميق والواسع على المجتمعات في مختلف مناحي الحياة، وعبورها كل الحدود دون مبالاة، ومصطلح الإعلام اليوم أصبح واسع الامتداد، ومتشعب الفروع، بسبب الثورة الرقمية وانتشارها الكبير.
تطلق على التكنولوجيا التي تستخدم في مجال الإعلام والمؤسسات التي تديرها اسم وسائل الإعلام، وهي ترتبط بشكل وثيق مع مستوى التقدم التقني والتكنولوجي، فلكي تمتلك إعلاما قويا لابد من امتلاك أرضية تكنولوجية متينة تمكنك من المنافسة وسط عالم متشابك ومتطور من تكنولوجيا المعلومات.
انتقل الإعلام من دوره في التواصل مع الجمهور وتمثيل الراي العام الى التأثير فيه بشكل مباشر والتحكم في توجهاته ومساراته محاولا لعب دور الوصاية والرقابة العامة، حيث كان طرفا رئيسيا في العديد من القضايا السياسية الحاسمة، وتجلى كقوة وازنة يمكن الاستعانة بها لتحقيق مأرب سياسية غير متوقعة، وخير مثال على ذلك ما وقع في مصر إبان ثورة 25 يناير و30 يونيو 2011 حين أصبحت سياسة الدولة كرة يلعب بها ساسة الإعلام كيف شاءوا، وتتشدق كل جهة إعلامية بحرصها على الموضوعية والمهنية في إيصال المعلومات للناس، في حين أن أغلب الفضائيات تساهم بشكل أو بآخر في تمزيق الوطن العربي وتغذية الأحقاد البينية.
ظهر مؤخرا مصطلح الإعلام الجديد ويمكن اعتباره كانبعاث لمصطلح الإعلام التقليدي ومحاولة لانتشال هذا الأخير من النخبة المتحكمة فيه، وفتح الباب بمصراعيه أمام كل فئات المجتمع المدني لتبني الإعلام بحلته الجديدة والاستعانة به في مواقف مختلفة وفق أساليب متنوعة لنقل الحقائق بحياد وتجرد، و يروج حاليا مصطلح الإعلام الجديد بمرادفات عدة، كالإعلام الاجتماعي، والإعلام البديل، ولكل هذه الكنايات دلالات معبرة فهو وسع من دائرة المشاركة بشكل غير مسبوق ومنح مساحات واسعة لمختلف الفئات الاجتماعية للانخراط في مسلسل المعلومات اللامحدود، خصوصا بعد غزو مواقع التواصل للحياة الاجتماعية، والانفتاح الواسع على العالم الافتراضي، إضافة إلى بروزه كأداة بديلة انسلخت من إيديولوجية الإعلام التقليدي، مما ميز الإعلام الجديد وسط كل هذه التغيرات بالعديد من الخصائص كالتفاعلية بين الأطراف المتواصلين وضمان إمكانية النشر بأساليب بسيطة، إضافة إلى المرونة والكونية التي اختزلت العالم وتخطت حواجز الزمان والمكان.
لن أخوض هنا بإسهاب في إشكالية الإعلام التقليدي والإعلام البديل كما يسمونه، وإن كانت إشكالية جديرة بالبحث صراحة، ما أقصده هنا هو الإعلام بشكل عام سواء المعتمد على القنوات الإذاعية و الفضائية أو ذاك الذي يستغل العالم الافتراضي مسرحا له دون إغفال الصراع الكبير الذي يجمع بين الطرفين، فالأول يمكن التحكم فيه وضبطه بشتى الآليات، أما الثاني فخارج عن نطاق السيطرة قادر باختصار على إشعال حروب وإخماد أخرى، وهنا تكمن خطورته.
لقد شكل الربيع العربي محكا حقيقيا لإعلام العديد من الدول العربية التي وجدت نفسها امام كم هائل ومتواصل من المعلومات مما خلق لها حالة من التيه والارتباك لعدم قدرتها على التأكد من مصداقيتها ومطابقتها للمعايير المتعارف عليها، بل ولافتقار أغلبها للوسائل والتجهيزات الضرورية التي تضمن الوصول الأمن والاني للمعلومة.
يفتقر الإعلام العربي للنزاهة والمصداقية، ويتحكم فيه أباطرة المال الذين وجدوه أرضا خصبة يجنون منها أموالا طائلة ضاربين عرض الحائط ذوق الانسان العربي وحقه في أن يُحترمَ ذكاؤه وفكره، بل واتخذه بعضهم منبرا متحيزا يعبرون من خلاله عن مواقفهم السياسية وآراءهم الشخصية في جميع المستجدات، وأدت صعوبة المشهد السياسي العربي إلى نشوء تحالفات عدة انعكست بشكل سلبي على الرسالة الإعلامية النزيهة في نقل الحقائق دون تزييف أو تزوير، حيث ظهرت فئات اجتماعية مناصرة لإمبراطوريات إعلامية معينة ومناهضة لأخرى فتاهت الحقيقة وأصبحنا الحلقة الضعيفة والمريضة في الإعلام الدولي.
أكاد أجزم أن في المستقبل القريب سنجد أنفسنا أمام تحد إعلامي كبير خصوصا ونحن نحتل مراتب جد متأخرة إعلاميا بالمقارنة مع غيرنا، هذا التحدي سيفرض علينا إن نحن شئنا مقارعة التحديات والدفاع عن قضايانا الجوهرية والوطنية من تكالب الإعلام الواهم، امتلاك ترسانة إعلامية قوية مثل حرصنا تماما على امتلاك أسلحة الدفاع عن سيادتنا، فالذي يسيطر على وسائل الإعلام يسيطر على العقول كما هو معروف، وعلى الماضي والحاضر والمستقبل كذلك، فلولا الأوهام التي سوقها الإعلام الغربي الكاذب لما استبيح العراق بذريعة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، وكذلك عجز الإعلام وتماطله في نقل ما يجري من انتهاكات خطيرة في بورما، وتشويه القضية الفلسطينية على الساحة الدولية حتى من الإعلام العربي نفسه، باعتبار الفلسطينيين مخربين ومعتدين، بيد أنهم هم من تعرضوا للاحتلال أصلا واقترفت في حقهم أبشع الجرائم، ناهيك عن تشويه الإعلام الإسباني لقضية الصحراء المغربية وتصوير أغلب منابر الإعلام الدولية لما يجري في سوريا من مذابح ضد الشعب السوري على أنه صراع متكافئ القوى، وطمس الإعلام الأمريكي إلى حد المسح من الذاكرة جريمة الولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية في حق هيروشيما ونكزاكي 1945 ثم إشادته في نفس الوقت بمُثُل الحرية والديمقراطية التي يتباهى بهما المجتمع الأمريكي لا لشيء سوى لأن أمريكا تمتلك في وقتنا الراهن أعتى المؤسسات الإعلامية، لما تمتاز به من مؤهلات وإمكانيات بشرية ومادية على أعلى مستوى وضعتها في أولى مراتب المهنية الإعلامية حول العالم، فإلى جانب كونها مؤسسات تصنع المادة الإعلامية، باتت تمثل إمبراطوريات إعلامية ضخمة، تمتلك رؤوس أموال عاتية النفوذ والتأثير، وغير ذلك من الحقائق التي يراد بها باطل وباطل يصور على أنه حقيقة مثلى.
في خضم هذه التناقضات الصارخة ما علينا إلا أن نسعى إلى ترسيخ قيم المصداقية والمهنية في إعلامنا وإنقاذه من قبضة المستثمرين الذين لا يسعون إلا لتحقيق الأرباح الطائلة، وتجنب استصغار العقل العربي فهو بدوره يميز ويفكر، وتحسين المادة الإعلامية العربية حتى تواكب ركب التطور، ثم لا مناص لنا من تطوير ٱلياته وإصلاح قاعدته سواء المرئي أو المسموع منه وحتى المكتوب، وتحرير الإعلام الجديد، بالإضافة إلى تأهيل الكتيبة الإعلامية والبحث عن المواهب الحقيقية البعيدة عن المحسوبية.
