هشام فكيري
عرفت بدابة سنة 2011 بروز عدة تغييرات في العالم العربي. حيث خرجت الشعوب أخيرا إلى الشارع داعية إلى التغيير في كل من تونس و مصر و ليبيا و توالت في أغلب البلدان العربية. وكان محمد البوعزيزي تلك الشرارة التي أفاضت الكأس ، حين أقدم على إحراق نفسه بعدما ضيقت به السبل . فهذا الشاب كان يجاهد نفسه من أجل كسب لقمة العيش بذراعيه و بعرقه و من الحلال . كان يخرج و بزوغ الشمس يجر عربته التي ملئها بالخضر و يقصد شوارع سيدي بوزيد مسقط رأسه من أجل أن يكسب بعض الدينارات التي ستجعله يضمن البقاء على قيد الحياة. فلم يكن يطلب ملكا ولا كان يريد سلطة أو جاها . و بالرغم من ذلك تعرض لمضايقات عديدة من طرف السلطة التي استبدت في البلاد ، و قهرت العباد. فكانوا يقصدونه في كل مرة و ينزعون عربته . لكنه لم ييأس و عاود الكرة لكن دون جدوى . حيث كان مصير خضرواته هو أن تقع في يد السلطة الطاغية . و رغم شكاياته المتعددة إلا انه ظل نسيا منسيا . و عندما وجد أن حياته أصبحت جحيما فقد الأمل و أشعل النار في جسده، فأحرقه و أحرق الخوف في قلوب كل التونسيين بل في قلوب كل العرب من المحيط إلى الخليج. فانطلقت الثورات التي أطاحت يزين العابدين بنعلي و حسني مبارك و القذافي و علي عبد الله صالح و آخرون في الطريق .
و كان من أبرز ما أنتجته هذه الثورات هو بروز عهد جديد، يتميز بصعود الإسلاميين إلى سدة الحكم في كل تلك الشعوب الثائرة. و المغرب لم يكن الاستثناء فقد خرج المغاربة للإحتجاج و عبروا عن رفضهم للفساد و الاستبداد . فنتج عن ذلك ما سمي برزمة من الإصلاحات تخللها استفتاء على تعديل الدستور و إنتخابات مبكرة أسفرت عن صعود العدالة و التنمية إلى الحكومة ، و هو أيضا حزب إسلامي . الشيء الذي يؤكد على أن الفكر الإسلامي و الثقافة الإسلامية هي الأكثر انتشارا في الدول العربية ، و أن هذه البلدان لا يمكن أن تحكم إلا بالحكم الإسلامي الذي تؤمن به شعوب المنطقة . و هي تؤكد من دون شك أن الشعوب العربية فيما مضى كان مغلوبا على أمرها و كانت مجبرة على تقبل حكم غير الحكم الإسلامي . لكن بعدما أتيحت لها الفرصة لتعبر عن رأيها بشكل ديمقراطي أطاحت بالديكتاتوريات و أتاحت الفرصة للإسلاميين من أجل الأخذ بزمام الأمور. و بدأ يخرج علينا في الإعلام المغربي فتيات يرتدين الحجاب أو بالأحرى * الزيف* و الذي كان محرما في العهد السابق. كما أصبح السيد عبد الإله بنكيران الذي كان يطلق عليه الأمين العام للعدالة و التنمية فيما مضى فصار يسمى الآن رئيس الحكومة ، حيث أَضحى يظهر في الشاشات المحلية و العربية و يحكي لنا عن حكاياته و عن صرامته و عن أولوياته وعن الكثير من الأمور التي سيقوم بها لصالح البلاد و العباد.
يعتبر السيد عبد الإله بنكيران زعيم حزب إسلامي ، حيث يتبنى هذا الأخير الإسلام مرجعية له . لكن هذا من خلال الأقوال أما الأفعال فنصف هنا و نصف هناك . بمعنى أدق شيء للدنيا و آخر للآخرة . فيمكننا أن نتحدث عن أمثلة بسيطة جدا فمثلا الخمر يباع و يشترى في واضحة النهار و بترخيص من السلطات. أي بعلم من حكومة البلاد التي من المفترض أن تتولى أمور العباد. لكن الحكومة تقول على لسان قائدها العظيم أنها محاربة الخمر ليست من أولوياتها . أي بمعنى أننا نضع الإسلام هنا جانبا و ننساه قليلا للتفرغ إلى أشياء أخرى. أما التلفاز المغربي فلا يزال يقدم لنا ثقافات غريبة عن ثقافتنا الإسلامية التي نعتز بها أيما اعتزاز. فتقدم لنا مسلسلات مترجمة تجعل من فتيات المغرب يتشبهن بفتيات المسلسلات الغريبة عنا في اللباس ، فصرنا نشاهد في شوارعنا فتيات مسلمات بلباس غريب عن الإسلام يؤدي إلى عدة كوارث أخلاقية و إجتماعية . كان آخرها انتحار الفتيات القاصرات بسبب تعرضهن للإغتصاب . أما إذا تحدثنا عن المهرجانات التي أصبحت كثيرة جدا و متنوعة و منتشرة على طول التراب الوطني و على مدى الفصول الأربع و كأننا بلغنا من الترف و الرخاء و الازدهار و العز ما يغنينا و يجعلنا نتفرغ للرقص و الغناء و * الشطيح* . و بما أننا نتحدث عن المهرجانات ، فإنه لابد لنا أن نتحدث على أحد أكبر المهرجانات الذي يستضيف كبار الفنانين العرب و العالمين في سماء الغناء و الرقص و تحريك المؤخرات : إنه مهرجان موازين الدولي الذي صار ينظم كل عام في عاصمة البلاد الرباط . فأصبح سنة من سنن المغرب المحترمة من كبار المسؤولين ، فحتى رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران صرح في أكثر من مناسبة بأن مهرجان موازين خط أحمر لا يجب الحديث عنه.
إن أكثر ما يدهشني و يدهش أي عاقل في هذا الكون هو أن حزب العدالة و التنمية ما فتئ يعارض مهرجان موازين إبان حقبة المعارضة ، فكان برلمانيوه يهتفون بأعلى أصواتهم و يقولون إن هذا لمنكر؛ و على الحكومة ( السابقة ) أن تمنع مهرجان موازين باعتباره منافيا للثقافة الإسلامية و أنه يفسد أخلاق الشباب المغربي إضافة إلى الأموال الضخمة التي تصرف عليه. لكن بحلول العهد الجديد ، عهد حكومة العدالة و التنمية ، أصبح هذا المهرجان، الذي كان غير أخلاقي فيما مضى، خطا أحمرا لا يجب الحديث عليه. لكن أكثر ما يزيد الدهشة هو أن برلمانيون من العدالة و التنمية مازالوا يعارضون هذا المهرجان في هذا العهد الجديد. و بالرغم من ذلك فإن الحكومة التي يتزعمها شخص ينتمي لهذا الحزب يعتبره خطا أحمرا . لذلك فمن حق المغاربة أن يتسائلوا، خاصة و أنهم يرون هذه التناقضات الغريبة؛ ماذا يحدث في البلاد ؟ و لماذا الحكومة الإسلامية في المغرب غير قادرة على تغيير المنكر ؟ فكل مغربي، أمام هذه الحالة ، صار يتسائل و يقول : أيها العباد من يحكم في هذه البلاد؟؟؟
