الحسين بوخرطة
بعدما طرحت للنقاش بعض الفرضيات في شأن "الانقلاب" بتركيا في مقال سابق، أعود اليوم محاولا ملامسة بعض الجوانب التي أرى أنها تصب في إطار تعاقب الأحداث كما جاءت في التصريحات الرسمية، ليسائل مضمون المقال ما جاء على لسان الرافضين لفرضية افتعال "الانقلاب" من طرف المؤسسات الرسمية الحاكمة. ليكن كذلك، فما يهم المتتبعين المنتمين للمنطقة الإقليمية الممتدة من البحر الأسود شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا هو استقرار ورفاه الشعب التركي.
فعلا، لقد تحركت فئة من الجيش الوطني التركي وأعلنت العصيان بهدف الإطاحة بالحكومة المنتخبة رافعة بدورها شعار حماية العلمانية والديمقراطية في تركيا. وتبين من خلال متابعة الأحداث والتحليلات المرتبطة بها أن هذا التحرك المفاجئ لم يكن مدروسا، وأعطى الانطباع وكأن متزعميه لم يكن لهم تقييما سياسيا كافيا لتطور مستوى الوعي السياسي الشعبي خصوصا عند فئة الشباب، وأنهم بعيدين كل البعد عن فهم تطور تمثلات الأفراد والجماعات المجتمعية خصوصا ما يتعلق بقوة ارتباط السلطة السياسية بصناديق الاقتراع. تماشيا مع هذا المعطى، يمكن القول أن هذا الحدث، الخطير طبعا على الأمة التركية ومحيطها الإقليمي، قد أكد تأثير نداء اردوغان على الشارع التركي وأن دعوته للخروج إلى الشارع كانت بمثابة تجربة "مختبرية" للتأكد من مدى قوة تفاعل المكونات المجتمعية والعمل السياسي لتركيا الجديدة، تركيا عهد أردوغان. فعلا، لقد توج نجاح هذه التجربة ببروز أغلبية موالية للنظام الحاكم، الشيء الذي ساهم بشكل من الأشكال في إضفاء نوع من الشرعية الشعبية على عمليات اعتقال أكثر من ستين ألف فاعل، كانوا يقضون معظم أوقات أيامهم العادية في السياسة أو الإدارة أو الجيش أو الإعلام أو التربية والتعليم أو السلك الدبلوماسي. لقد اعتقلوا بسرعة فائقة أعطت الانطباع وكأن لوائح المناوئين لسياسة الحزب الحاكم كانت معروفة مسبقا، واتهموا بمشاركتهم بشكل من الأشكال في الانقلاب وبانتمائهم إلى الجمعية المحظورة التي يقودها غولن. في نفس الآن، نجد هذا الأخير يتمتع بحماية دولية برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الدولية الرافضة لتصنيف جمعيته كمنظمة إرهابية. في نفس الموضوع، كان بيان الجامعة العربية في دورتها الأخيرة المنعقدة في موريتانيا مخالفا لما تتبناه أمريكا وحلفائها.
إجمالا، المعتقلون بتهمة المشاركة في الانقلاب كثر، وهم من نخبة البلاد وأطرها، ويوازي عددهم سكان ثلاث مدن متوسطة ... فإذا أضفنا عدد أفراد عائلاتهم والعاطفين والمتعاطفين معهم سيصبح الرقم عاليا جدا، أي أنه قد يشكل جزء مهم من الشعب التركي..... وإذا أضفنا لهم الأكراد بقضيتهم، سنكون أمام معسكر كبير رافض لمنطق حكم أردوغان.....
والحالة هاته، قد يجد المتتبع للوضع التركي تفسيرات متنوعة لتبرير الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومة. في نفس الوقت قد تكون درجة الاختراق الأجنبي للشعب التركي عالية إذا ما اعتبرنا افتراضا أن جمعية فتح الله غولن مسخرة لخدمة أجندات خارجية تعاكس مسار تنمية الديمقراطية "الأردغانية".... وكيف ما كانت الإجابات، يبقى تحدي تحقيق المزيد من المكتسبات والتراكمات السياسية في تركيا مسؤولية مجتمعية يتحمل أوزارها أكثر أردوغان، كشخص بخاصياته المعروفة، وحزب المصباح، بمنطق ممارسته للسلطة. فتثبيت الديمقراطية على أساس التناوب ما بين التيارات السياسية المتعارضة إيديولوجيا هي مسؤولية يتحملها رئيس الدولة نظرا لمكانته في المجتمع التركي. ففي حالة مضاعفة الجهود لإضفاء المزيد من الصفاء على الأجواء السياسية في تركيا في اتجاه تحسين الوجه الديمقراطي للنظام السياسي سيكون ذلك بدون شك مكسبا قويا قد يخدم في الآن نفسه المصالح التركية الوطنية ومصالح الشعوب الإقليمية.
