د. أحمد درداري
حينما نعود للتقسيم الانتخابي لا نجد ولو مواطن واحد في جميع دواوير البلاد غير مسجل في اللوائح الانتخابية وغير مدرج في مكتب من مكاتب التصويت القريب منه لتسهيل عملية الادلاء بورقة التصويت في الصندوق الزجاجي.
ويتم استخدام جميع الوسائل والإمكانيات للتواصل معه لطلب الدعم عن طريق الدعاية والحملة واللقاءات السرية والعلنية وتسخير الوسائل البشرية واللوجستيكية من سيارات رباعية الدفع وزعماء مؤقتين لتمرير خطابات أشخاص ووعود كاذبة وبعيدة عن الواقع وإشعال صراعات تخرج عن السيطرة أحيانا و تبقى آثارها إلى حين نهاية الولاية التشريعية لتبدأ من جديد .
وما يلاحظ أن الأحزاب السياسية في كل مرة تتعامل مع الدواوير فتأخذ من الغالبية اصواتها ولا تعطي لغالبيتها حقوقها التنموية ، فتبقى العملية السياسية فاقدة لحلقات في التواصل المجتمعي كالفعل التنموي الذي يعد الهدف من العملية ككل، ويتعلق الأمر بتنمية الدوار على قالب الاهتمام الانتخابي، والسياسة الانتخابية ليست مجالية قروية وحضرية لأن الدائرة الانتخابية اقليمية والدوار ليس وحدة مهمة في نظر المرشح وغائب في برامج الاحزاب إلا باحتساب عدد الأصوات لعدد منها كدوائر ولا تراعي البادية كوحدة إدارية وتنموية مثل ما فعلت فرنسا التي تقدمت وقدمت معها البادية أو بالنظر إلى التجارب الآسيوية التي اتخذت من الدوار وحدة تنموية ادارية وبشرية و استثمارية وصحية وتعليمية وخدماتية وتتوفر بها شبابيك مالية وتقدم كل التسهيلات للنهوض بأوضاع الإنسان الاقتصادية واستثمار الإنسان ...
إن تاريخ الوطن هو تاريخ البادية أو الدوار وما أعطاه التطور من ايجابيات انعكس سلبا في المقابل على جوانب أخرى ومنها أنه دفع بمتطلبات الحياة نحو الأفضل لكن بتكلفة أكبر من طاقة الإنسان القروي و بقيت جوانب دون نهضة من قبيل التعليم والصحة والتحول الذي طرأ للمجتمع الزراعي التعاوني وطغيان فردانية الفرد داخل الأسرة التي ساهمت عدة عوامل في تكريسها ومنها الانتخابات التي تعتمد على استخدام الحق بشكل فردي فسبب ذلك انقساما عائليا، وضعفت بذلك القيم التي كانت تشد المجتمع إلى بعضه بعضا، ولم يتم جزاء البادية على ما قدمته للمدينة من دعم وتمويل ومقاومة ومنه الوطن ككل.
فالمرشح البرلماني لا يسكن في الدوار لكون التواضع هو معتقد وحالة نفسية يقتنع بها الفقراء أو الراسخين في العلم والباقي يبحثون عن الرقي والوصول إلى أعلى المراتب بأقل القيم وبدون مبادئ عند الكثيرين .... والبرلمان ليس منبرا مزدوج التمثيل الانتخابي القروي والحضري بل سياسي دون تمييز، لكن الواقع يبين المفارقات والاختلالات على جميع المستويات ، بل إن الإنسان القروي يتحمل الأعباء أكثر اذا تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو الاستثمار او البحث عن عمل و يبقى متخلفا اذا لم يقدر على تحمل تلك الأعباء المالية والصحية والعائلية. وحتى الحاجيات محكمة بسوق أسبوعي وليس من حق المواطن أن يجد سوقا دائما لشراء احتياجاته عند الضرورة .... لذا ينبغي أن يحمل البرلمان تمثيليين سياسيين أو صوتين سياسيين صوت الدوار وصوت المدينة وتوجيه السياسات العمومية الوطنية بحسب المتطلبات، فلحد الآن السياسات العمومية قليلة الاهتمام بالدوار ... وكان أمر الدوار متروك للجماعة، في حين يقوم البرلمان على صوت سكان الدوار ... الذي مايزال يعطي دون أخذ ...
وسواء تعلق الأمر بالماضي أو الحاضر والمستقبل ومع التطور الذي حصل في سيرورة الدولة من مظاهر النمو الكبرى بالمدن وبعض الدواوير القريبة منها أو تلك المحظوظة بتواجدها على الطرق الرئيسية أو السيارة أو .... لذا يبقى التعامل مع الدوار كوحدة بشرية وإدارية وتنموية وانتخابية مهمة البرلمان الذي عليه واجب التعاطي مع سياسة الدوار مادام هذا الأخير سابق على المدينة بل دعمها وازرها ومدها بمستلزمات التطور من رجالات دولة واقتصاد ويد عاملة ونخب ووو..... في حين مازال دواوير بدون ماء وبدون طرق وبدون عمل لشبابها المطلوب منهم أن يصوتوا استجابة للواجب الأحادي التطبيق دون استنهاض واجب المستفيد من الأصوات المتمثل في تغيير دور البرلمان بوضع تشريعات خاصة بالدوار وتفادي ظهور مدن صفيح جديدة بعد خطة مدن بدون صفيح بحكم أن الهجرة سببها فشل السياسيين في التعاطي مع الشأن العام وحقوق الإنسان التنموية.
