حســــن أبـــراهــيــــم
"يمكن لجماعة سياسية أن تمارس القيادة، بل ينبغي لها أن تكون قد مارستها بالفعل قبل أن تظفر بسلطة الحكم " غرا مشي
لإرساء قاعدتها غالبا ما تلجأ الحركات الفتية، والتي عانت تهميشا و إقصاءا من طرف نظام ما، إلى وسائل و أساليب بسيطة في ظاهرها، لكنها أسلحة المستقبل و بها تستطيع فرض نفسها و استمالة بقية الشعب. في البداية يخيل إليك إلى أن بعض هذه الأساليب لن تجدي نفعا، عكس ذلك فالجماهير الشعبية تحتاج إلى من يخدمها و يسخر جهده لرفع الضرر عنها، و تخفيف ويلاتها، في ظل معاناتها اليومية لطلب الرزق...الجماهير ليست في حاجة إلى مثقفين و خطباء وزعماء يلازمون أماكنهم و مكاتبهم، بل إلى من يجلس معهم و يضع يده في يدهم و تحقيق بعض ما تصبوا إليه.
تعددت الوسائل و الأساليب، لكن هدفها و غايتها واحد ألا و هو تهيئة الجماهير الشعبية ليوم من الأيام، أساليب لا تحتاج إلا إلى تخطيط و مواكبة، لا تتطلب إلا ضميرا يضحي من أجل الشعب و في سبيل الشعب. في هذا المقال سأحاول جرد بعض الأساليب التي رأيت أنها حصدت مواسم وفيرة.
الأعمال الخيرية:
"عندما يقدم لك شخص ما هبة ما، تقبلها و تقبل معها روحه" مارسيل موس
و أضيف قائلا :"أنا أهب اليوم لكي أجني غدا".
قد يعتقد البعض أن الأعمال الخيرية تقدم "في سبيل الله" كما يقال، إلا أنها، في جوهرها من أساليب الهيمنة و استمالة الجماهير الشعبية، صحيح أن ظاهرها لا يظهر شيئا إلا أن باطنها كله مصائد تصيب عقل عامة الشعب، الذي لا يرى في هذه الحياة إلا تخفيف أعباء الدنيا. تتخذ هذه الأعمال الخيرية طابعا إسلاميا، لأن الحركات الإسلامية هي الخبيرة و المتخصصة في هذا المجال، تتخذ طابعا دينيا في غالبها (دروس دينية مجانية، تأمين المسكن لأبناء المحتاجين...).على هذا النحو ينجح من يديرون مثل هذه الأعمال في اكتساب قاعدة شعبية عريضة.
الخدمات الاجتماعية:
من خلال تأمين بعض الخدمات الاجتماعية، تنجح الحركات الفتية في استجلاب جماهير الناس، لا تستغرب إن رأيتها تقوم بحملات تحسيسية في شتى المجالات، قد تقوم بحملة نظافة في بعض الأحياء الشعبية التي لا تصلها مصالح البلدية، قد تقوم بحملات طبية في قرى نائية، و قد يصل الحد إلى تدبير طرق لمساعدة المحتاجين عبر بناء دور للمحتاجين أو توزيع بعض الأفرشة و المواد الغذائية...وكيف لا يتبعهم عامة الشعب و هم يضعون الضمادات على جروحهم، كيف لا و هم في أمس الحاجة لمن ينقص و لو قليلا من معاناتهم اليومية، ماذا تفعل الجماهير الشعبية بخطابات لا تقدم لهم خبزا أو غطاء من البرد؟ ماذا ستفعل الجماهير الشعبية بالخطابات السياسية إن لم تتلمسها في حياتها اليومية، وتعيشها و تشفي غليلها؟ من لم يدخل غمار الخدمات الاجتماعية ويتطوع فيها، فلا يضحي بتجربة سياسية لأن مآلها الفشل. و التاريخ غني بهذه الأمثلة.
المصداقية و الثقة:
إن تيسير الإدراك و الوعي للمجتمع المحلي، لا يتم إلا من خلال المصداقية و الثقة في التعامل، لن تحظى بثقة قطاع عريض من الشعب إلا إذا توفرت فيك شروط يمكن إجمالها في المصداقية و الثقة و الأمانة التي ينشدها عامة الشعب. قد تفاجأ عندما يحظى الإسلاميون بثقة أغلب الناس لسبب بسيط هو أنهم يرون فيهم نِعم الإنسان، الصادق الأمين النزيه، هكذا غرسوا هذه الصفات في عقولهم. لا أجد لهذه الصفات غير جذر أساسي ألا وهو المعاملة التي تنبني على الاحترام، فقد أتعرف إليك بدون معاملة، لكن سأعرفك جيدا إذا تعاملت معك.
لكل شكل اجتماعي "دائما" هامش لإمكانيات تحقيق تطوره و تحسين تنظيمه، لكن عندما يعلم أن استخدام وسيلة ما ستجعله "يحصد" ثقة الجماهير الشعبية و يطور مسيرته فلماذا لا يلجأ إليها؟ تلكم بعض الأساليب التي رأيت أنها حققت ما لم تحققه ألسنة المثقفين و الخطباء...لأن الشعب بحاجة إلى شيء مادي ملموس يواجه به مشاكله المادية المحسوسة.
