توفيق بوعشرين
هناك مشاورات مكثفة في دوائر القرار لتعيين وزير أول جديد خلفا لعباس الفاسي الذي دقت ساعة رحيله، بعد أن أمضى أربع سنوات على رأس الحكومة. إلى حد كتابة هذه الأسطر هناك اسم واحد يتم تداوله لخلافة عباس الفاسي، هو مصطفى التراب، الرئيس المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط، لكن الأمور لم تحسم بعد، وهذا، في حد ذاته، علامة إيجابية على أن هناك توجها في أعلى هرم السلطة اقتنع بأن تغيير الحكومة أصبح أمرا ضروريا، وأن الأصوات التي خرجت تنادي بالتغيير يوم 20 فبراير الماضي وصلت إلى القصر، وأن الجالس على العرش بصدد إعداد جواب عن الرسالة التي بعثها شباب المغرب الذين يرون ثلوج الدكتاتورية تذوب من حولهم، ولا يريدون أن تظل بلادهم جامدة في مكانها، وأن تظل مرتبتهم في سلم الانفتاح الديمقراطي في آخر الترتيب، بعد أن كان المغرب، ولسنوات عدة، «متقدما» على غابة البنادق العربية.
هناك، كذلك، مشاورات لتهييء حكومة «ائتلافية»، وقد يدعى حزب العدالة والتنمية للمشاركة فيها. وإذا صحت هذه الأخبار التي ستعلن في القادم من الساعات بتزامن مع زيارة وليام بورنز، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية المكلف بشمال إفريقيا والشرق الأوسط إلى المغرب، قادما من تونس والجزائر، فإن البلاد ستكون على السكة الصحيحة للانخراط في الموجة الرابعة للديمقراطية عوض الوقوف في وجهها... إنه قرار شجاع من المؤسسة الملكية، ولا بد لجميع أطراف العملية السياسية أن يساعدوا الملك في قيادة سفينة «التحول الديمقراطي» في بحر هائج، تصلنا أمواجه العاتية القادمة هذه المرة من المغرب والمشرق العربيين...
لطالما كنا نود أن تتم العودة إلى «قطار الانتقال الديمقراطي»، الذي توقفت عرباته منذ سنوات في أجواء غير هذه الأجواء، وأن تباشر الدولة الإصلاحات العميقة بلا ضغط ولا سرعة، لكن لم تكن باليد حيلة. الآن مطالب الإصلاح تدق بقوة البيت المغربي، وعلينا أن نفتح لها الأبواب، ونرحب بها، ونجد لها مكانا في نظام ملكي عمره 400 سنة... لقد فعلها السلطان محمد الخامس –قدوة الملك الحالي- في الخمسينات عندما فضل الانحياز إلى مطالب الحركة الوطنية عوض أن يعيش في كنف الإقامة العامة. لقد غامر بعرشه وبسلامته الشخصية وباستقرار عائلته، عندما امتنع عن توقيع ظهائر الاستعمار، وأيد مطالب الاستقلال في ظرفية صعبة جدا. وعندما نفي خارج المغرب لم يكن يتوقع أن يرجع مرة أخرى إلى عرشه في الرباط، لكن الوطنيين والشعب المغربي كافؤوه أحسن مكافأة، فجعلوا من عودته مطلبا مقدما على استقلال المغرب أثناء المفاوضات مع فرنسا. لقد أعاد محمد الخامس الوهج الذي فقده العرش لما وقّع مولاي حفيظ على معاهدة الحماية، ورهن البلاد لمدة 43 سنة لمصالح فرنسا. الآن أمام الملك محمد السادس فرصة تاريخية ليعبر ببلاده نحو ملكية برلمانية، فيخدم العرش ويخدم الديمقراطية في الآن نفسه، ويجنب البلاد والعباد مغامرات لا يأمن أحد مخاطرها... ولهذا، لا بد من إبعاد «الحرس القديم» عن مركز القرار.. هذا الحرس الذي استفاد من امتيازات فائض السلطة الموجود بين يدي القصر.. هذا الحرس الذي رفع الناس صوره وأسماءه وعناوينه في مسيرات الغضب يوم 20 فبراير.
