عبد الله الحمزاوي
شهدت المنطقة العربية خلال سنة 2011 عدة هزات في البنية السياسية، انتهت بسقوط أنظمة سياسية وصعود أخرى، ورغم كل ما قيل عن مستوى الوعي الذي أنتج ثقافة الاحتجاج، فان هذه الأخيرة عبرت عن تحولات كبرى في مستوى تفكير الانسان البسيط الذي ثار ضد القيم البالية، وأظهر صورا تؤكد سقوط مقولة الانسان الهامشي المتهم بالعزوف عن ممارسة السياسة بحجة أن فهمه لا يرقى الى ادراك ما يحدث داخل مجتمعه، هكذا كانت عبارة "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية" خير دليل على انتظار الانسان المقهور ليوم تبزغ فيه شمس الحرية. وفعلا تأكد له أن "بن علي هرب" لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: هل نهاية النظام تعني الوصول فعلا الى الحرية والى اللحظة التاريخية التي راهن عليها الانسان المقهور؟
حراك اجتماعي، أو ثورة ،أو ربيع ديمقراطي، من هنا بقي الاشكال مطروحا، ولحد الان لم تنتهي الاحتجاجات، بمعنى أن الوصول الى خلاصات لتفكيك ما يجري ما زالت مستعصية على رجل الثقافة الذي كان ولا يزال حائرا أمام هول سقوط نظام العقيد الذي ادعى وجود الملايين الى جانبه، وادعاءات مبارك الذي قال حينها أنه لم يسعى الى شرعية زائفة، ورجل قال بأن الشعب فاته القطار، واخر ما زال يعتبر تقتيله للأبرياء مجرد وقوفه في وجه مؤامرة تريد النيل من خط ممانعة طال ما نجح في خداع الشعوب وتثبيت شرعية الاستبداد تحت ذريعة المقاومة والجهاد. والقائمة قد تطول لكن هل نهاية هذه الانظمة تعني القطيعة مع الاستبداد، وبالتالي النجاح في تثبيت أركان البناء الديمقراطي، كلا ان ما شهدته المنطقة العربية هو بداية تزحزح في النسق الذي ساد منذ سنوات خروج المستعمر، مما معناه أن الشباب الذي تدرب على ثقافة الاحتجاج والوقوف أمام فوهة الدبابات، لم يعد يراهن على من يخدعه بشرعية الدين أو المقاومة أو بناء الوحدة أو تحرير الأرض الطاهرة أو شئ من هذا القبيل. وانما أصبح محدده هو الانجاز وثقافة الاشباع. بالأمس القريب روى الاعلام أن عامل البناء بسيدي بوزيد ثار في وجه حزب النهضة، واقتحم مقر الحزب الحاكم, وهي دلالة واضحة على استمرار الاحتجاج بما يعني ضمنيا استمرار الاستبداد والقهر الذي تعيشه شرائح كبيرة من مجتمعاتنا التي طالما راهنت على مجيء مخلص ينهي مأساة الانسان المظلوم. واذا كان البوعزيزي قد وضع حدا لحياته ضدا على التهميش والقهر، فان البوعزيزي تحول الى مدرسة رائدة في مقاومة الاستبداد والظلم الذي يغطي سماء كثير من بلدان المنطقة العربية. والتي مازالت تنتظر مزيدا من الحرية التي لم تكتمل معالم تشييدها بعد.
