محمد باجي
لم يكن " أيور " في بداية مشواره الدراسي يتوقع كل ما فيه الآن ، ورغم البدايات التي كانت كلها موشومة بالوقائع التي أثرت في مساره عموما فقد صمد ، " أيور " في ربيعه السابع تعرض لحادثة نتج عنها كسر في يده اليمنى نتيجة تهور الطفولة وشيطانية الحمار أعزكم الله ، يده اليمنى أصيبت بإعاقة كان النصيب الأوفر من عواملها يتعلق أساسا بقريته المعزولة عن الطبيب والدواء ، الإهمال فعل فعلته وبصم بصمته في أولى الوقائع بمسار شاق ، لم يستسلم الفتى ولم يستسلم أولياء أموره فألحقوه بالمدرسة الإبتدائية مع بداية التسعينات ، وعكس كل التوقعات أبهر الجميع بخط يده الوحيدة ، نعم بيسراه خطط وأبدع إلى درجة أصبح فيها محبوبا عند أساتذته ، في المستوى الثالث تغير مجددا مساره نحو الأحسن هذه المرة مع قدوم أستاذ إسم على مسمى يدعى " سيد الخير مصطفى " جزاه الله خيرا ، أمعن الفتى في دروسه فتعلم الكثير نتيجة التضحية الكبيرة لأستاذه المحترم الذي لو كان مزدوجا لكان الفضل أكثر ، لكنها الأقدار شاءت أن يكون المعلم الآخر كارثيا على فرعية " ولغس الجديدة " المهملة ، السيد تذرع بكون المنطقة صعبة – وهذا من حقه – فكان أن يأخذ التلاميذ دروسهم منقوصة نتيجة كثرة الغياب .
في القسم الإعدادي التحق " أيور " بعد عناء وانتظار كبير بالقسم الداخلي وكله حزم وجد لإتمام مساره ، تمكن من اجتياز ذلك السلك بنجاح ليلتحق بالقسم الثانوي شعبة الآداب ، لتبدأ سلسلة المحن مجددا حيث اصفر الفتى ونال منه العياء حتى أصبح هيكلا عظميا ، ورغم قواه المنخورة الناجمة عن تحلون الدم وإصابته بداء السكري الذي اكتشفه متأخرا استطاع أن يستعيد لياقته مجددا وهو البعيد عن أهله وأحبابه ، في خنيفرة عانى الأمرين ، العائلة معوزة وأعباؤه ثقيلة لكن تصميمه ساعده على المسايرة ، ولما بلغ السنة الأخيرة من سلك الباكالوريا تمكنت منه محنة أخرى احتاج بعدها لعملية جراحية على إحدى عينيه ، ومن أجل الاستمرار أمضى سنة بيضاء ثم عاد بعد ذلك فأخذ شهادته .
مرت أشهر الصيف بسرعة كبيرة فانتقل " أيور " بعدما تزود من بيت عائلته بعض المؤونة إلى مكناس ليعانق هموم الجامعة ، في بداية الأمر أصيب بالارتباك بخصوص الشعبة التي سيتابع فيها الدراسة وبعد تردد كبير سحب تسجيله من كلية الحقوق ووضعه بكلية الآداب شعبة اللغة العربية ، لتبدأ مجددا فصول المجابهة من أجل الحصول على سكن جامعي وكان له ذلك بعد طول انتظار نتيجة تحفظ غير مفهوم من قبل الإدارة مرده أن أحد أقربائه ويحمل نفس اللقب كان من مناضلي الحركة الطلابية إبان التسعينات وهي الحركة الثقافية الأمازيغية وكان له صراع كبير مع إقطاعيي الإدارة الذين بمجرد معرفتهم بعلاقته بذلك الشخص حتى غيروا رأيهم ولم يسمحوا له إلا بعد تقديم الضمانات ، بدأت فصول الدراسة ورغم ضيق ذات اليسر تكبد " أيور " المشاق في سبيل الاستمرار ، حصل على السنة الأولى ، وفي السنة الثانية بدأ بصره يضعف مرة أخرى فقرر أن ينتقل إلى العاصمة الرباط من أجل إجراء عملية جراحية على عينه الأخرى ، ونظرا للفحوصات المتكررة وبعد المواعيد أمضى السنة كلها متنقلا بين مكناس والرباط الشيء الذي أثر سلبا على معدله في السنة الثانية جامعي والتي حصل عليها هي الأخرى عن طريق نظام المقاصة المشؤوم ، " أيور " يتذكر جيدا قصته مع الأنظمة التعليمية المغربية حيث كان من فئران التجربة لكل الأنظمة المستجدة لا على المستوى الثانوي ولا على المستوى الجامعي ، في السنة الثالثة أيضا تمكن من النجاح دون أن تسنح له الفرصة أن يعيد الامتحانات في الدورة الاستدراكية من أجل تحسين النقط ، وأحسن ما يتذكره " أيور " وبكل فخر واعتزاز هو رائحة خبز أمه التي كانت تداوم على إرساله مع إحدى الحافلات إلى مكناس ، يتذكر تلك المناديل التي غالبا ما تضع والدته في حزمة من جانبها ورقة نقدية ملفوفة لتضفي إلى وجه إبنها ابتسامة ترفع المعنويات .
" أيور " أتم المشوار الجامعي فارتمى في أحضان البطالة ، يرسل أوراقه من أجل اجتياز المباريات ولا من يجيبه ، فقط لأنه إبن الشعب وعانى وقاسى من الظروف الصعبة الصحية والاجتماعية ، لقد ارتأى النظام أن لا يمنحه فرصة إسوة بالآخرين ، " أيور " ضحية الأنظمة التعليمية ، ضحية للتنقيط الجامعي الذي يختلف من جامعة إلى أخرى ، ضحية الإنتقاء التعسفي الذي لا يمكن أن يكون معيارا للكفاءة ، هو ضحية وطن يأكل أبناءه .
" أيور " كما الكثير من الطلبة المعطلين لا يريد منكم إكرامية أو هدية ، ما يطالب به هو أن تمنح الفرصة للجميع في كل المباريات ، أن يزول معيار الإنتقاء ، أن تكون الكفاءة هي المعيار ، أن تنظروا إلى ذوي الأحوال المعسرة ، أن يحتفظ لنفسه كما الآخرون بفخر واعتزاز بشرف تقديم خدمات لهذا الوطن ، " أيور " يقول واليأس يقول والبأس آت ، " أيور " رمز النور فحذاري أن يتحول إلى ظلام .
