عبد الله الدامون
كم من شارع يوجد في المغرب؟ بالتأكيد هناك عشرات الآلاف أو مئات الآلاف، وفي الأغلبية الساحقة من هذه الشوارع تتوقف سيارات ليل نهار، وفيها يجد مئات الآلاف من المغاربة مهنة دائمة، مهنة حراسة السيارات.
المغاربة الذين يدفعون درهما أو أكثر لحراس السيارات، أو مبالغ شهرية، لا يفعلون ذلك من باب الواجب، بل فقط من باب التضامن؛ ولو حسبنا كم يوفر هذا التضامن من فرص شغل لوجدنا ما لا تستطيع الدولة بنفسها توفيره.
وفي رمضان والأعياد، يلتقط مئات الآلاف من الناس رزقهم بأكثر الطرق إثارة وغرابة. وفي مناسبات أخرى كثيرة، يعيش الناس خارج المألوف، أي أنهم، سواء وُجدت الدولة أو لم توجد، يتضامنون ويشتغلون ويكدحون بطرق كثيرة وغريبة، وبفضل ذلك كونوا أسرا وفتحوا منازل وطمحوا إلى مستقبل أقل سوادا.
هناك مئات الآلاف من المغاربة يمرضون ولا يطرقون أبواب المصالح الرسمية، بل يقصدون الجمعيات والميسورين أو يمدون أيديهم إلى أقاربهم وأصدقائهم من أجل تلقي العلاج. وهناك مغاربة كثيرون يفلتون من الموت جوعا، ليس لأن الدولة تتكفل بهم، بل لأن المواطنين هم الذين يحمون بعضهم البعض من آفة الجوع والموت. ومن الغريب حقا أن الناس يرددون باستمرار أن المغرب بألف خير لأن لا أحد فيه يموت جوعا، لكنهم لا يعرفون أن الناس هم الذين يحمون بعضهم من الجوع والموت، ولو عوّلوا على الدولة لمات خلق كثير.
هناك أيضا آلاف الناس الذين يلتقطون لقمة عيشهم من بين أكوام القمامة. إنه مشهد مقزز، لكنه يدل على أن كل إنسان يبحث عن رزقه في المكان المقيض له، ويدل أيضا وبالمقابل على خلل خطير في المجتمع وكأنه لا وجود لشيء اسمه الدولة، ولا لكيان اسمه الحكومة.
هناك مغاربة مساكين، لكن الله أغناهم بقلب واسع، لذلك يقتسمون لقمتهم مع الآخرين، وهناك كثيرون تبرعوا بأراض ومنازل لجمعيات خيرية أو للأوقاف، لكن المشكلة أن كثيرا من تلك الهبات تحولت إلى خواص أغنياء، لأن هناك مافيا حقيقية حولت فعل الخير إلى تجارة مربحة.. مربحة جدا.
مرة سمعت عن رجل كان يشارك هو وزوجته كل عام في قرعة الذهاب إلى الحج، لكن الحظ عاكسهما، فخافا أن يداهمهما الموت فقررا التبرع بمصاريف الحج على جمعية خيرية.. حملا تلك الملايين وذهبا بها إلى جمعية خيرية تعنى بالمسنين، ووضعا المال فوق مكتب رئيس تلك الجمعية ثم انصرفا بدون وصل ولا فاتورة ولا أي دليل. بعد يومين، كان رئيس تلك الجمعية يُدخل إصلاحات جذرية على منزله، وطبعا بأموال الزوجين الطيبين.. والغبيّيْن أيضا.
ومرة، شاهدت امرأة مسنة تطرق باب جمعية خاصة قرب مسجد وهي تحمل في يدها شيئا ملفوفا في قطعة ثوب. خرج عندها رجل، وهو مدير جمعية، فناولته الصرة الصغيرة ففتحها فوجد داخلها رزما من المال. قالت له المرأة «خذ هذا المال ووزعه على طلبة القرآن واطلب منهم أن يدعوا لي بالخير». قبض الرجل المال ودعا لها فورا بالخير. وبعد أيام، كان يركب سيارة جديدة. أكيد أنه دفع شيئا ما لطلبة القرآن، لكنه مارس حقه الطبيعي في نظرية «اللهم ارْحمني..».
ومرة، وفي أوج أيام البرد، اشترى رجل أكواما من الملاءات و«البطانيات» وحملها في شاحنة وقصد بها دارا للمشردين. بعد ساعات فقط، كانت كل «البطانيات» موزعة على عدد من متاجر المدينة.
أعرف رجلا يتبرع كل رمضان وكل عيد بعدد من الأكباش والثيران على جمعية تحتضن مسنين ومشردين، وفي اليوم التالي يتغذى نزلاؤها بـ«العدسْ واللوبية».
مشكلة المغاربة المحسنين أنهم لا زالوا يتصدقون باليد اليمنى.. على ألا تعرف اليد اليسرى ذلك. لكن الوقت تغير كثيرا، وعلى كل واحد يفعل الخير أن «يضرب الطبل» لذلك، وأن يأخذ وصلا بتبرعه مختوما وموقعا، وأن يتتبع مسار تبرعه، لأن هناك أغنياء جددا صاروا يُعرفون باسم «أغنياء الخيْر».. على وزن أغنياء الحرب.
«ضرْب الطبل» لفعل الخير يفهمه ويجيده فقط أولئك الأغنياء وأصحاب الشركات الذين يتهربون من أداء الضرائب ولم يسمعوا عن شيء اسمه الزكاة. هؤلاء يتظاهرون بفعل الخير ويؤدون ثمن عمليات جراحية أو مصاريف علاج لخمسة أو ستة أشخاص في السنة، ويضربون الطبل لكي يصبح ذكرهم على كل لسان.. هذه أكبر درجات النفاق.
جميل أن يتضامن الناس، لكن الأجمل من ذلك هو أن يسود القانون ويتوقف النهب وتتحمل الدولة مسؤولياتها مع مواطنيها، فالشعوب تعيش بالكرامة وسيادة القانون، وليس بالأعطيات والصدقات.
