مصطفى المسناوي
قبل أزيد من أربعين سنة، كان هناك مدرس للغة الفرنسية يعمل بأحد المعاهد الثانوية المعروفة بمدينة الدار البيضاء. كان فرنسي الجنسية ويشتغل في إطار «خدمة مدنية» تعفيه من الخدمة العسكرية في بلاده الأصل. وعلى غرار كثير من أمثاله، لم يتوقف المدرس -واسمه «مسيو لاروش»- عند حد تدريس اللغة بل تعداه إلى استقطاب تلاميذه وربطهم بثقافة بلاده وحضارتها مع وعود (مبكرة وقتها) بمستقبل أفضل في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط؛ مما جعل هؤلاء التلاميذ يسعون إلى التشبه به، يتحلقون حوله ويتبعونه باستمرار خارج قاعات الدرس منشدهين به وبما يمثله ويرسمه في أذهانهم من خيالات وأحلام، إلى حد أن الأمر أثار فضول باقي زملائهم وجعلهم يطلقون عليهم نعتا سرعان ما انتشر وسط جميع تلامذة الثانوية: «وليدات لاروش».
ورغم أن «مسيو لاروش» و«وليداتو» ينتمون إلى مرحلة زمنية تبعد عنا بحوالي أربعة عقود، فقد كان لافتا للانتباه أنهم استطاعوا مواصلة حضورهم في الساحة المغربية تحت مسميات أخرى وبصور متجددة هنا وهناك، أبرزها تلك الصورة التي حاول البعض عبرها مساعدتنا -قبل قرابة ربع قرن- إحياء ثقافتنا الخاصة، عن طريق إعادة اكتشاف منبهرة لآلة «الكنبري» ولطقوس الجذبة الكناوية؛ أو تلك التي يحاول البعض الآخر عبرها اليوم «مساعدتنا» على «اكتشاف» الفكاهة المغربية المرمية في «الحلاقي» وفي «الزنقة» وفي كل مكان.
«المسيو» الذي «يساعدنا» اليوم على ذلك يحمل اسما آخر بدل «لاروش»، ويجد من «الوليدات» قدرا أكبر بكثير من ذاك الذي كان متاحا في أوائل سبعينيات القرن الماضي؛ كلهم يعملون بحيوية غير مسبوقة، ويخلطون العربية بالفرنسية بشكل متعمد، من أجل جعلنا نكتشف «هويتنا الحقيقية» عبر اكتشافنا لـ«فكاهتنا». إنهم يقدمون أنفسهم إلينا -عبر إحدى قنوات التلفزيون المحلي، بالخصوص- على أنهم الفاهمون العارفون المطلعون على ثقافتنا التي نجهلها. ومن ثمة فهم يستحقون، ضمنيا، كل الخيرات (العينية والمادية) التي يحصلون عليها من أموال دافعي الضرائب المغاربة.
لكن المشكل الكبير الذي يثيره هؤلاء في عملية «الاكتشاف» هو أن «الفكاهة» التي يقومون بتقريبها منا (أو تقريبنا منها، لا فرق) لا تخرج عن واحد من اثنين: فإما أنها «فكاهة» تضحكهم وحدهم، هم القادمون من الضفة الأخرى للأبيض المتوسط، ولا تثير لدينا ولو مجرد ابتسامة؛ أو أنها «فكاهة» تنتمي إلى ما قبل عصر الفكاهة بالمغرب، وانتهى عمرها الافتراضي منذ زمن سحيق..
نعم، فالفكاهة ببلادنا، وكما هو الأمر في بلدان أخرى، لها تاريخ يسجل لحظات نموها وتطورها، في ارتباط بنمو المجتمع وتطور الذهنيات والذائقة الفنية؛ بما يعني أن ما كان يضحك المواطن المغربي في الفترة التي أعقبت حصول البلاد على استقلالها السياسي (في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، مع بوشعيب البيضاوي، خاصة، وأحمد القدميري ولمفضل لحريزي، وثنائيات قرزز ومحراش وقشبل وزروال ومحمد بلقاس وعبد الجبار الوزير) لم يعد يضحكه في الثمانينيات التي عرفت نوعا جديدا من الفكاهة «الملتزمة» (إن صح التعبير) انطلاقا من الثنائي «بزيز وباز» (أحمد السنوسي والحسين بنياز)، وفيض «الثنائيات» التي سعت إلى تقليدهما بعد ذلك، ثم عبر التجربة المتفردة التي خاضها السنوسي ابتداء من مطلع التسعينيات واستمرت لفترة من الزمن قبل أن تتغلب السياسة فيها على الفن، أو عبر تجربة حسن الفذ (في جانبها المغربي، غير المفرنس) ابتداء من مطلع الألفية الثالثة..
هذا التاريخ لا يعرفه «وليدات لاروش» الجدد، لذلك نجدهم، في «اكتشافهم» للفكاهة المغربية، يعودون بنا إلى فكاهة «المسخوط والمرضي» و«حي وميت» وعموما إلى «فكاهة» بدائية لا تحمل أية قضية، ويتصور ناشروها (ومن يقف وراءهم) أنهم أمام جمهور من البلهاء الذين يضحكون لأي شيء أو أنه لازال بإمكانهم، في عصر «القرية الكونية»، أن يستبلدوا الناس وأن يبيعوا القرد ويضحكوا على من اشتراه، عبر قناة تلفزيونية محلية تدّعي الحداثة بينما هي تقوم، عمليا، على تكريس التخلف والعودة بنا إلى عصور الانحطاط.
