توفيق بوعشرين
لو كان البوعزيزي يعرف أن جسده الذي احترق احتجاجا على الإهانة في تونس سيبعث كل هذه الصحوة في الجسم العربي المشلول، لأحرق نفسه قبل 10 سنوات. خارطة العالم العربي تأخذ كل يوم لونا مغايرا وشكلا جديدا. في تونس ومصر وليبيا كان رأس النظام هو المطلوب. في البحرين والسعودية والمغرب يطالب المواطنون في هذه البلدان بملكية برلمانية تنسجم مع الماضي والحاضر في آن.. تراعي التاريخ والديمقراطية في نفس الوقت.
الملك محمد السادس سبق جميع ملوك العرب، وأعلن يوم 9 مارس قرارا تاريخيا بالتنازل عن جزء كبير من سلطاته الموروثة عن أبيه، في محاولة للانخراط في الموجة الرابعة للديمقراطية... لقد فهم الملك، بحسه السياسي وبوسائل استطلاع الرأي الموضوعة رهن إشارته، أن مطالب 20 فبراير وربيع الديمقراطية الآتي من الشرق ليس «سحابة صيف»، وليس حملا كاذبا... وأن المغرب، كباقي دول العالم العربي، أمام امتحان عسير، إما أن تربحه الأنظمة الحاكمة فتنتصر، وإما أن تخسره فتزول... البركان الهائج الذي خرج من فوهة الشعوب لن يستثني أحدا... لقد برهنت الملكية، وهي بطبيعتها مؤسسة محافظة وتقليدية وتجر وراءها الكثير من الموروثات، على أنها أكثر جرأة من 90 % من الطبقة السياسية والنقابية والإعلامية التي سخرت من شباب 20 فبراير، ونشرت الكذب حولهم لتشويه سمعتهم، ولما انتهت من هذه الدعاية القذرة، راحت تقول: «إن المشكلة في المغرب مشكلة حكامة لا مشكلة حكم». الآن جاء الملك وقال إن المشكل في المغرب مشكل حكم وتوازن سلط، وعرض مبادئ لو وجدت في اللجنة المكلفة بتعديل الدستور عقولا منفتحة وجرأة كبيرة، لانتهت إلى وضع دستور لا يختلف إلا قليلا عما هو موجود في إسبانيا أو بلجيكا أو هولندا أو بريطانيا...
الآن لا بد من الحذر واليقظة، فالأسماء التي تم اقتراحها لتكون ضمن اللجنة المكلفة بوضع دستور جديد للبلاد، الكثير منها «محافظ» إلى درجة الانغلاق، وبعضها مرتبط بدوائر أمنية وسياسية معادية للإصلاح وخائفة على موقعها.. أكثر من خوفها على الملكية... نعم، هناك أسماء وشخصيات ذات كفاءة ومصداقية، لكن في نفس الوقت هناك أسماء أخرى لا مكان لها في هذه اللجنة لأنها غير مؤمنة بالملكية التي اختارها الجالس على العرش لشعبه... إن هذا «التوافق» المغربي الذي تسير الإصلاحات على سكته، يتطلب المزيد من الحذر واليقظة والذكاء والضغط الشعبي. لا بد لشباب 20 فبراير من الاستمرار في التظاهر السلمي والحضاري حتى يصل «الخبز إلى الفرن». هناك أكثر من قرصان يقف عند الباب يتحين الفرصة لخطف لحظة الفرح من المغاربة... نظامنا السياسي جد معقد، والمخزن داخله لم يمت، وخلاياه تنام وتستيقظ لأنها مرتبطة بمصالح كبيرة وسلط متشعبة، ولا يمكن، بين ليلة وضحاها، أن ترفع الراية البيضاء.
