الرئيسية | أقلام حرة | في ذكرى رحيل الفقيه محمد البصري الزعيم الذي خلده التاريخ بالرغم من جحود المقربين

في ذكرى رحيل الفقيه محمد البصري الزعيم الذي خلده التاريخ بالرغم من جحود المقربين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
في ذكرى رحيل الفقيه محمد البصري  الزعيم الذي خلده التاريخ بالرغم من جحود المقربين
 

سبق لي أن وعدت في مقالي حول "اسوار دمنات" بانني سأتناول بعض شخصيات دمنات المشهورين في مختلف المجالات العلمية والثقافية والسياسية والإبداعية ....وكنت في الحقيقة أتغيا فتح هذه المقالات بالعلامة ابو الحسن علي بن سليمان البوجمعاوي الوودنوستي الدمناتي ولكن نظرا لحلول الذكرى 16لرحيل الفقيه محمد البصري اٍرتأيت ان اغتنم هذه الفرصة ليس للحديث عن مناقب هذا الزعيم الوطني الكبير فهو رجل غني عن التعريف باعتباره أحد أبرز رجالات المغرب في القرن العشرين ، ولا للحديث عن مكانته ضمن الزعماء الكبار الذين وضعوا بصمتهم على تاريخ القرن العشرين، وان كانوا لا ينتمون إلى عالم واحد ولا إلى أيديولوجيا واحدة أمثال : غاندي، لينين، روزفلت، تشرشل، ستالين، ماو تسي تونغ، ،عبد الكريم الخطابي ، محمد علي جناح، لوثر كينغ، عبد الناصر، تيتو، نهرو، هوشي منه ، شيغيفارا ، ماو سيتونغ ، فيديل كاسترو... زعماء كثيرون عبروا التاريخ، وتركوا بصمات واضحة فيه، وساهموا في صنع الكثير من أحداثه.

 

و لن اتناول في هذه العجالة الظروف التي أوجدت الفقيه الذي كان الفقيه البصري - شئنا أم أبينا- واحدا ممن سيروا دفة التاريخ المغربي الى جانب رفاقه في الكفاح ، في ايت ماجضن احدى قرى دائرة ولتانة بدمنات المعروفة بصمودها عبر التاريخ في وجه الظلم الذي كان يمثله المخزن وفي وجه الاستغلال والاستعمار الذي كانت تجسده الحماية الفرنسية ، كما أنني لن أخوض في ظروف قيادة الفقيه للكفاح الوطني لطرد المستعمر الغاشم واستعداده الدائم للتضحية بروحه قبل حريته ثم نضاله المستميث ضد اذناب المستعمر خصوصا بعد وفاة محمد الخامس – الذي كان يعتبر الفقيه البصري أحد أبنائه – ولا النكسات التي عرفها المغرب بعد تولي ابنه الحسن الثاني العرش و حكمه للمغرب بالحديد والنار ، وصدور عشرات الاحكام بالسجن والاعدام والاختفاء القسري والنفي والاضطهاد في حق زعماء الحركة الوطنية وفي مقدمتهم الفقيه البصري، هذه الاحكام الجائرة التي كانت تهدف الى اسكات أصوات المطالبين بملكية تسود ولا تحكم والتي دفعت بالفقيه الى اللجوء الى المنافي ، حيث تنقل بين كثير من دول المعمور ونزل ضيفا على كثير من حركات التحرر في العالم معلما ووجها ومرشدا، وأصبح بذلك من اكثر الزعماء الامميين مطارد ة من طرف النظامين المغربي والامبريالية والصهيونية العالمية نظرا لمواقفه المتشددة من النظام ودعوته لحمل السلاح لتغييره ، ومناصرته للشعوب المحتلة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني البطل ،. كما لن اتناول في هذه العجالة دور الفقيه في الحياة السياسية المغربية ودوره في انبثاق حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ذي الاختيار الثوري عن حزب الاستقلال بسبب وجود خلاف على المستوى الإيديولوجي سنة 1959 والاحداث الدامية التي رافقت هذا الانشقاق والتي كان من ضحاياها والدي البوعيشي الحاج مولاي عبد الكامل رحمه والذي كان شهيد رأيه ومواقفه من توجهات كلا الحزبين ، ثم بعد ذلك انشقاق حزب الاتحاد الاشتراكي عن الاتحاد الوطني وان كان يحمل نفس التوجه الثوري . ما اريد ان اركز عليه في هذه العجالة هو :

 

1- الجحود والنكران الذي جوبهت به نضالات هذا الرجل الوطني وإسهاماته العظيمة في الحركة الوطنية وجيش التحرير من اجل تحرير الوطن من المحتل ، و دوره البارز في الحياة السياسية المغربية من اجل كرامة المواطنين .

 

2- جحود الحزب الذي أسسه وأطره بتراجعه عن الخط الثوري الذي رسمه البصري ورفاقه وارتمائه في احضان المخزن.

 

3-جحود ابناء بلدته والاقليم الذي كان ينتمي اليه .

 

أولًا - تجاهل الدولة

 

تجاهلت الدولة تضحيات المقاومين ومناضلي الحركة الوطنية وخصوصا منهم اولائك المناهضين للنظام الشمولي المستبد وناضلوا من اجل عزة الوطن والمواطنين وفي مقدمة المغضوب عليهم الفقيه محمد البصري ، فلم تقم الدولة بما فيها حكومة التناوب برد الاعتبار المعنوي والإنساني والمادي والثقافي والتاريخي لهذه الرموز الخالدة، بل لم يقف الامر عند التجاهل بل ان الدولة استعملت جميع ادواتها وفي مقدمتها الاعلام والمناهج الدراسية لطمس معالم تلك التضحيات الجسام وإقبار اسمائهم وطمس معالم بصماتهم ، وكمثال ، فبعدما كان الاحتفال بذكرى ثورة " الشعب والملك"- هكذا كانت تسمى - يفتتح بخطاب المقاومة الذي كان يتولى القاءه الفقيه البصري تحولت المناسبة الى احتفال عادي تحت مسمى "ثورة الملك والشعب" يقتصر فيه على خطاب الملك ولا يأتي فيها ذكر لثورة الشعب المغربي وتضحيته بالنفس والنفيس.

 

اما بخصوص الاعلام المغربي فقد احتله لسنوات طوال اسم ادريس البصري وغيره من رموز النظام ، اما مناهجنا المدرسية وغيرها من المناهج، فانها لا تتضمن الا دروسا مقتضبة ومحتشمة حول بعض نماذج المقاومة والاقتصار على

 

بعض الابطال والمعارك دون الغوص في معارك جيش التحرير وزعمائه وفي طليعتهم الفقيه البصري من اجل احلال نظام ديمقراطي يسود فيه الملك ولا يحكم .

 

ولذلك شب جيل ما بعد استقلال المغرب وهم يجهلون الكثير عن الزعماء الوطنيين ابطال معركة الاستقلال الحقيقيين ، ويجهل السواد الاعظم من شبابنا الكثير عن معاناة الرواد الاوئل من اجل الحرية والعدالة والكرامة وحقوق الانسان ورغم اعتراف الدولة لاحقا – الانصاف والمصالحة- بما ارتكب في حقهم إلا ان ذلك ليس كافيا لان الظلم والفساد والاستبداد الذين عوقبوا من اجله لا زال مستشريا بل ومستفحلا .

 

ان الاحتفال بذكرى وفاة الفقيه البصري يفرض ادبيا واخلاقيا على جميع الأطراف في هذا الوطن و على رأسها الدولة أكثر من التفاتة اتجاه الفقيه البصري كزعيم من زعماء وقواد جيش التحرير الوطني ومن الصناع الحقيقيين لاستقلال المغرب لنوفيه و لو قليلا من حقه من التكريم والتقدير والتبجيل و نفض الغبار عن كل الذين دافعوا عن إستقلال الوطن والمدافعين عن الحرية والكرامة ليكونوا هم المثل الأعلى للأجيال القادمة لا اولائك الذين قضوا دهرا في خيانة الوطن وفي بيعه بالتقسيط أو في نهب ثرواته .

 

ثانيا -جحود الحزب :

 

باختصار شديد ما لاحظته شخصيا ففي فترة السبعينات والثمانينيات كان الاتحاد الاشتراكي قد فرض نفسه كقوة معارضة لهيمنة النظام المخزني على كل شيء ، حيث وبرز مناضلون مستعدون للتضحية رغم شراسة وتغول النظام من اجل إرجاع السلطة للشعب عبر اختيار جمعية تأسيسية تضع دستورا وطنيا يقر مؤسسات منتخبة بشكل نزيه، ويتجاوز الدساتير التي يتم إقرارها في استفتاءات شكلي تكون نتيجتها الموافقة بنسبة 99% (وهو الدساتير التي كان يسميها الفقيه ب"الممنوحة") مع المطالبة باستكمال تحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة وبناء الإنسان وتحريره من أغلال الفقر والجهل والاستعباد و من اجل توزيع عادل لثروات البلاد ، ولم يكن الحزب في الحقيقة يطبق الا النهج الايديولوجي الذي وضعه الفقيه البصري ورفاقه .

 

ولكن اليوم تحول حزب الاتحاد الذي كانت ترتعد منه فرائص النظام، الى مجرد دكان يوظف اي شيء في سبيل الوصول الى الحكومة والبرلمان ، واستجداء المناصب لحطب المكاسب الشخصية ، وليس مصالح الشعب الذي يا ما تغنوا به ، هذا الشعب بعماله وفلاحيه وموظفيه وكادحيه وفقرائه وطلابه الذين كانوا يشكلون القاعدة الصلبة للحزب لم يعودوا إلا مجرد كومبارس في مسرحية عبثية .وبكلمة واحدة تحول حزب الفقيه لبصري الى هيكل بدون روح .حزب مدجن لا يكاد يختلف في شيء عن باقي الاحزاب الادارية .

 

أين مناضلي اليوم من قوة ايمان وفكر ومبادئ ذلك المناضل الانسان ، الذي قدم لنا دروسا مثالية في النضال والتضحية دفاعا على قيم ومثل عالية دافع عنها وضحى في سبيلها وتحمل ويلات والسجن والنفي من الوطن . مع الاسف ففي واقعنا الحالي وخصوصا داخل بعض التنظيمات السياسية الحزبية اصبح مفهوم النضال ممسوخا وبدون هوية واصبحت صفة المناضل مرادفة " للمخلوض والشلاهبي" والمستعد لوضع يده في يد الشيطان مقابل مصلحته واصبح النضال شبيه بالسمسرة يخضع لقوانين السوق الانتخابي ولمن يدفع أكثر .

 

أيننا اليوم من فكر الحركة الوطنية وتاريخها التحرري ؟ اين نحن من فكر الفقيه البصري والمهدي بن بركة وعلي يعتة وعبد الرحيم بوعبيد ....وغيرهم من المناضلين الحقيقيين الاحرار الذين لو ارادوا بيع ضمائرهم لاحتلوا أعلى المناصب ولاستفادوا من الامتيازات التي لا تخطر على بال أحد ...كما يفعل جل مناضلي اليوم الذين يتسولون المناصب والاكراميات ، النضال الحزبي والنقابي اليوم هو نضال من اجل تحقيق مصالح شخصية ، والرغبة في السيطرة والاستبداد والتحكم في كل القرارات والاستحقاقات ،إن ما يسمونه "نضالا" انحصر اليوم في الانتخابات و والبحث عن اصوات الناخبين بأي ثمن للوصول، فهل يعقل ان يستعين حزب الفقيه البصري والمهدي بنبركة مثلا باصحاب الشكارة للوصول الى الكراسي ومنها الى الميزانيات والعلاقات المتشعبة مع اصحاب النفوذ والسلطة والمال بهدف التحكم وصنع الخرائط المشبوهة وشراء الذمم وتكوين جيش من الاتباع /العبيد المطيعين الطيعين المستعدين على الدوام للانبطاح للاستفادة من الريع بجميع انواعه وأشكاله . مما دفع بمجموعات من المناضلين الحقيقيين الاحرار الى الانسحاب نهائيا اما من الحياة السياسية المغشوشة او احداث هيئات سياسية اخرى تحافظ على النهج الثوري للمؤسسين ، بعد استحالة التعايش مع هذه الشرذمات من الوصوليين.

 

إن إحياء ذكرى وفاة الفقيه البصري هو احياء لخطه الثوري ولخط رفاقه في الكفاح والتشبث بمباديء الحرية والكرامة والعدالة ومحاربة الاستبداد والقهر والظلم والاستعباد التي آمن بها الرواد وكافحوا وضحوا باغلى ما يملكون من اجلها .وليس مجرد الوقوف عند قبره وتلاوة بعض الآيات وبعض الادعية !

 

ثالثًا : جحود ذوي القربى

 

ارتبط اسم الفقيه البصري بدمنات في جميع مراحل حياته وحتى بعد مماته نظرا لانها موطنه الاصلي ومسقط راسه ومهد بداياته الثورية الاولى ، و وجود بعض افراد اسرته بها الى يومنا هذا حيث فارق اخوه رفيق دربه الحياة منذ مدة قصيرة .

 

استقر في اذهان ساكنة دمنات منذ الاستقلال بان سبب تهميشها انتقام مقصود من طرف النظام لانجابها هذا الزعيم الوطني الكبير والمعارض الشرس للنظام الشمولي والمدافع عن حرية وكرامة المواطن المغربي ، جميع رجال السلطة الذين تعاقبوا على دمنات كانت مهمتهم اهانة المواطنين وتمريغ كرامتهم . اما المشاريع التنموية فانها لم تعرف بتاتا طريقها الى دمنات ، وبقيت على حالها يتجرع سكانها الامرين لعدة عقود ، وبالرغم من تعدد المعاناة فان الناس يعتزون بانتماء الفقيه البصري الى منطقتهم ويفتخرون بنضاله ضد القهر والفقر والاستبداد .

 

واليوم ونحن نخلد ذكرى وفاة هذا الزعيم الذي قضى أزيد من 60 سنة في جبهات النضال المختلفة، الا تفكر الاحزاب "التقدمية" بدمنات ومعها الشرفاء لاحرار في تنظيم ايام دراسية سنوية . للتعريف بما قدمه هذا المناضل الحقيقي من أجل استقلال المغرب وتحرير الوطن العربي و التصدي للمشروع الصهيوني، وكذا دعم حركات التحرر الوطني، وفي مناهضة بِنَى

 

النظام الاستبدادية، وفي بناء مشروع نهضوي عربي ،لماذا لا يتم- في ذكرى وفاته - تنظيم أيام يستدعى اليها المفكرون والسياسيون والباحثون ، وتخليدا لذكراه الا يستحق أن يطلق اسم الفقيه محمد البصري على احد الشوارع والساحات والمؤسسات العمومية والتعليمية منها بالخصوص في دمنات بصفة خاصة، وباقليم ازيلال بصفة عامة ، تكريما لهذه للشخصية الوطنية؟

 

وبالرغم من حجود الدولة وتنكر السياسيين وظلم ذوي القربى فإن الزعماء لا يموتون ابدا :

 

لقد انتقل الفقيه البصري الى جوار ربه الاعلى وهذه سنة الله في خلقه ، نعم، قد تكون له اخطاء ونقائص فلكلّ إنسان هفوة ولكلّ جواد كبوة، لكنه مازال حيا في وجدان الشعب لانه نجح في صناعة هيبته وسمعته وكبريائه وساهم في تحريره من ويلات الاستعمار بالحديد والنار،وبفاتورة غالية، وبعد الاستقلال كان الناطق باسمه والمدافع عن حقه في العدل وفي التوزيع العادل للثروات والمسؤوليات، وكان يتبنى قضاياه المصيرية، وهي مباديء غير قابلة عنده للتنازل أو التفاوض. كما ظل الفقيه ضد الظلم والطغيان ، يطالب بتكريس نظام عالمي أكثر عدلا، ، ويساند الشعوب التي تناضل وتكافح من أجل حريتها واستقلالها.

 

 

اظن شخصيا أن عصر الزعامات قد انتهى ، وحل محله زعامات جديدة تكتيكها هو التخلي عن المواقف الثابتة والانصياع لجبروت المال والنفوذ والجاه والفساد والقمار بحقوق هذا الشعب المسكين الذي تتقاذفه امواج عاتية في بحر لجي بدون ربان ولا بوصلة .

مجموع المشاهدات: 594 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع