الرئيسية | أقلام حرة | صرخات أجيال من أجل وطن حاضن للجميع

صرخات أجيال من أجل وطن حاضن للجميع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
صرخات أجيال من أجل وطن حاضن للجميع
 

نتابع هنا وهناك، في دول الجنوب، كيف يتعب فاعلو المنظومة السياسية السائدة من أجل التوفيق بين العمل العمومي والخاص والرفع من نسب المشاركة في الاستحقاقات والاستفتاءات الوطنية، باعتباره مؤشر دولي عن مدى تفعيل الديمقراطية في بناء المؤسسات الوطنية. ومن خلال المسارات المتباينة، حسب تاريخ تطور منطق ممارسة السلطة ما بين المركز والهوامش ما بين دولة وأخرى، تتباعد وجهات نظر بعض الفاعلين مع وجهات البعض الآخر. ففي إطار الفعل السياسي، الذي يتموقع في خانة النضال الديمقراطي من الداخل في سياق النظام العالمي الجديد، المعلن كمنتصر مباشرة بعد سقوط حائط برلين، أي من داخل المؤسسات، لا يمكن للمتتبع، أو المشارك الغيور على وطنه وتقدمه، أن لا يلامس تعايش تياران متصارعان في المشاهد لسياسية المختلفة. الأول، لا يكل ولا يمل في كل تحرك يقوم به أو يبرمجه، في ابتداع السبل والآليات لتسخير مجهوداته في مجال الوساطة السياسية لخدمة مصالحه الذاتية بمنطق حصري. إنه تيار يتعمد تبني موقف عدم الاحتكاك النافع مع المواطنين وإشراكهم من أجل تطوير آدائهم ووعيهم وثقافتهم السياسية، آملا أن يكون تياره الرابح الدائم، وأن يستمر مسلسل التراجع وعدم الثقة في السياسة في الوعي المجتمعي، ليتأتى لمكوناته الحفاظ على المواقع السلطوية القوية لتحقيق تراكم الثروات وتفشي الريع، وبالتالي توسيع قاعدة الموارد البشرية المؤيدة له. أما الثاني، الذي أصبحت مهمته صعبة وعسيرة جدا نتيجة تفشي الريع والفساد وتراكم الثروات بفعل خطط ودهاء التيار الأول، فيرى من خلال المنطق النضالي الإنساني المتعارف عليه كونيا، أن إشراك الشعب في التفكير والبحث عن الحلول في الممارسة السياسية اليومية هو السبيل الناجع لتوفير شروط بناء وطن محتضن لشعبه بالكامل، وكيان أمة يبحث بوعي عن تنمية قدراته الذاتية والجماعية بالشكل الذي سيمكنه من منافسة الأمم الأخرى، وضمان موقع، قابل للتطور، في صناعة القرار إقليميا جهويا وعالميا. فكيف ما كان نوع الصراع في المجتمع، هناك من النخب الذي يلعب دورا قصيرا زمنيا ويختفي عن الأنظار السياسية، لكن بمردودية مصلحية ذاتية هامة. وهناك من لا يجني من السياسة إلا المتاعب، لكنه يهيئ نفسه للتدافع من أجل مصلحة الوطن. وهناك النخب التابعة التي لا تهتدي إلا بتوجيهات الزعيم متخلية عن حقها في التفكير بالكامل. وهناك النخب التائهة التي لا تمتلك إلا إصدار الفرضيات لكونها مصنفة في خانة الفاعلين الذين لم يؤذن لهم بتحريك البيادق على لوحة الشطرنج المعقدة. وهناك النخب البراكماتية المسالمة، الذكية نسبيا، التي تلعب الأدوار المناسبة بمردودية مشروعة بدون أن تخاطر بوضع ذاتها بين المطرقة والسندان.... على أي، فبالرغم من تعدد أصناف الفاعلين، فالدولة، الفضاء المؤسساتي الجامع والمحتك يوميا بأفراد وجماعات المجتمع، تبقى الكيان المأمول فيه قيادة التغيير، بخطى ثابتة، وبدون مخاطرة، لجعل الوطن في خدمة المواطنين، من خلال تجديد آليات تكوينهم في إطار نمط متطور لصناعة النخب، نمط يمكنهم من التدرج في مواقع مسؤولية "الوساطة التنموية" من "القرب" إلى المحلي، ثم الإقليمي، ثم الجهوي، وصولا إلى الوطني. إنه النمط المأمول لتغليب منطق الفاعلية عن الاستهلاك في الثقافة المجتمعية (توازن الحقوق والواجبات).

 

والحالة هاته، لا يمكن للحركية بين الأوطان أن تكون حدثا عاديا، بل هي إشكالية ثقيلة ومعقدة تستدعي التفكير المتواصل لاستنباط الدروس والعبر. فالاعتزاز بالوطن زاد للتنمية، وضمانة للاستمرار، اعتزاز تتحول من خلاله الهجرة إلى آلية لاكتشاف الشعوب الأخرى، وفهم دعامات تطورها التي تميز مختلف قطاعاتها العمومية والخاصة والمجتمعية، ليتحول التنقل بين الشمال والجنوب، وبين الجنوب والجنوب، إلى مسار بحث عن كل ما من شأنه أن يخدم الوطن الأم، ويساهم في تنميته وازدهاره. إنها طبيعة المساهمة المبحوث عنها لتأهيل الوطن ليكون مؤهلا لاستقبال ولادات جديدة، تحول مجال الطفولة والشباب إلى فضاء للتنشئة، فضاء مضياف، وكريم ومليء بالفرص، ومحترم لقيم المساواة والاستحقاق.

 

 

وأنا أفكر في إشكال تلاحم النخب فيما بينها في إطار تلاحم أجهزة الدول مع الشعوب (ثورة الملك والشعب بالمغرب كنموذج مؤسساتي المجسدة لشعار المملكة "الله، الوطن، الملك")، سافر عقلي ليتخيل مناشدة مولود جديد في وطني لنخب بلده :"أشكركم وأقبل أياديكم بفرحتكم بي، فالزغاريد التي سمعتها مباشرة بعد استنشاقي لأول كمية هوائية غمرت رئتاي، أنعشتني، وحببت لي الدنيا، وأعطيني الأمل في غد أفضل. كن لي أيها الفاعل نموذجا يعلمني فن حب الوطن، لأكون مع أقراني جسرا قويا وصلبا يتحمل عبور الوطن إلى بر الرفاه والازدهار، وطن يستوعبني بحب ويورث في ذاتي قيم العمل الجاد، والتباهي بموقع ومكانة بلادي بين الأمم. اعمل أيها الفاعل جاهدا لإسعاد أسرتك وذويك، ولا تتهاون قط في إعدادهم لخدمة الوطن، وخصص وقتا كافيا من يومياتك لخدمة المجتمع وتنميته. وحتى وإن ولدت في أسرة فقيرة، فلا تنس أن المجتمع، كمكون أساسي لوطننا جميعا، سيجمعني مع أبنائه، ويمكن أن يكونوا من ضمن أصدقائي. فلا تنس التجارب التي عشقت فيها فتاة من أسرة غنية شابا من أسرة فقيرة، ويمكن أن يجمعهم في الحب انحراف رافض للواقع الذي تتناحر فيه أوجه الغنى والفقر والحرمان. فما الفائدة، سيدي، من ثروتك ومكانتك السياسية السلطوية، إن كان أغلب أصدقاء أبنائك وبناتك منحرفون".

مجموع المشاهدات: 371 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع