الرئيسية | أقلام حرة | الــــوحــــدة قــــبــــل التــــوحـــيـــد

الــــوحــــدة قــــبــــل التــــوحـــيـــد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الــــوحــــدة قــــبــــل التــــوحـــيـــد
 

تقدمت الحضارة الإسلامية عندما ساد الإحترام والتقدير المتبادل بين كل المكونات المتنوعة في المجتمع، فالإسلام لم يتحول إلى حضارة وهوية جامعة إلا عندما وضع يده على كل من العراق ومصر وبلاد فارس، فالحضارة الإسلامية تكونت من خلال الدمج بين مبادئ الإسلام مُضاف إليها معارف وعلوم الدول المفتوحة.

 

لكن البعض يتساءل كيف يمكن للإسلام أن يحتضن غير المسلمين؟؟ وآياته تقول : "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ"، "وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ"، وقوله "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ"، هذا السؤال مفصلي وأفضل طرق الإجابة عليه هو أن نرجع للقرآن لنتعرف على كيفية تعاطيه مع اختلاف البشر في الأديان والمعتقدات والعادات وكيف عالج ذلك فلسفياً وإجرائياً ووجدانياً بدون تشنج وتوتر، ولكي نبدأ في ذلك لابد لنا من إطار معرفي ننظر لهذه القضية في ضوء القرآن وسيكون من الأفضل تقسيم الآيات القرآنية التي وردت في التعاطي مع الأخر المُخالف في الدين إلى ثلاث أنواع:

 

الأولى: آيات تعرض العقائد.

 

الثانية: آيات تُوضح الحقائق.

 

الثالثة: آيات ترسم الحقوق.

 

فكما ورد في السؤال، الله يقول "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، ويقول أيضاً "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم"، الآية الأولى تقع في الصنف الثاني من الآيات والتي تُوضح الحقائق الوجدانية والاجتماعية وتوضح نوع العلاقة من حيث الرضي القلبي والوجداني المُتبادل بين كل من اليهود والنصارى والمسلمين، والآية الأخرى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم) تأتى في باب الصنف الأول الخاص بعرض العقائد وهي خاصة ببيان موقف الإسلام من طبيعة عقائد وقناعات الآخرين المُخالفين،في

 

المُجمل الآيات السابقة تعرض لطبيعة الحقائق الوجدانية والعقائد الدينية للأخر المُخالف، فهل يُعد فساد عقيدة المُخالف في نظر الإسلام مسوغ للعداء والصراع والإقصاء له؟؟

 

يتضح لنا عكس ذلك تماما عندما نكمل معاً الإبحار نحو ضفة الصنف الثالث من الآيات وفق تقسيمنا السابق باستعراض طرف من الآيات القرآنية الخاصة بالحقوق مثل قوله سبحانه (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) فهذه الآية أقرت أن هناك حقوق للآخرين المخالفين للإسلام في العقائد والحقائق لابد أن تصان وتُقدر وتُحفظ، وقد أباحت آيات أخرى للمسلم أن يكون جد أولاده يهودياً أو مسيحياً، وأن تكون زوجته مسيحية أو يهودية، فلو كانت آيات العقائد والحقائق تعني الصراع والإقصاء والتهميش والإهانة فكيف يُباح للمسلم أن ينشىء أسرة متنوعة الانتماء العقدي والوجداني.

 

لذلك فإن الخطاب الديني المُتعصب ينبع من هذا الخلط المُتعمد بين مساحات (آيات العقائد، وآيات الحقائق، وآيات الحقوق) حيث تُستدعى الآيات التي تتناول العقائد والحقائق كذريعة لهدم حقوق الأخر المُخالف وانتهاكها وهنا مكمن الخطر الدين والتدين، ويتضح لنا من خلال هذه الجولة مع القرآن وقضايا المُخالف أن المشكلة ليست في الإسلام، وإنما المشكلة في تدين الناس الذين يرغبون في فرض تدينهم وتصوراتهم على تصورات مخالفيهم، وبالتالي أي خروج عن تدينهم يعتبرونه خروج عن الدين، فالإسلام دائما ليس له قراءة واحدة وهذا من رحمة الله على الناس.

 

فالتوفيق بين الرؤية الدينية واستقرار المجتمع أمر ممكن، وحققته العديد من الشعوب عبر الحفر المعرفي ودراسة فلسفة الدين ومراعاة سنن الله الكونية في بناء المجتمعات والدول، ومن الجميل أن نذكر هنا أن القرآن في بعض الأحيان قدم وحدة واستقرار المجتمعات على التوحيد، فموقف هارون مع أخيه موسي عليهما السلام، ( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري،قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) يدعم هذه الدعوى فقد اختار هارون الإبقاء على مجتمع بني إسرائيل متماسك وليس متناحر حتى يعود موسى ويبت في الأمر.

 

 

في الختام أعتقد إننا جميعا نحتاج إلى إعادة القراءة المعرفية للنص الديني المُقدس في ضوء حاجات البشرية في القرن الواحد والعشرين، وأحسب أن الإسلام لن تبخل علينا بفتوحات جديدة تجمع شتات البشرية وتنقلها من شاطئ الشقاق إلى بر الوئام والوفاق.

مجموع المشاهدات: 237 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع