الرئيسية | أقلام حرة | بيدوفيليا

بيدوفيليا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بيدوفيليا
 

في ذلك الركن من الغرفة طفلة في سنوات عمرها الأولى، لا تَفقَهُ في الحياة سوى اللعب والحب، لا تدري للألم مصدرا سوى السقوط حين اللعب وعضات البعوض، ترتعد من الخوف وهي تنظر في عيني وحش بشري يبتسم في وجهها. دقائق مرت وانتهى كل شيء. كل شَيئِهِ كان شهوة، وكل شَيئِهَا كان الحياة.

 

اسمي رؤية، شابة في العشرينيات. قبل سنوات قليلة من اليوم، كنت أعيش حياة طبيعية كأي شابة في عمري. ثم أتى اليوم الذي قرأت فيه عن البيدوفيليا، شذوذ جنسي تجاه الأطفال.

 

قصص عديدة آلمت قلبي، لكن واحدة فقط مرت كَصَعقِ الكهرباء، آلمت كل جزء من جسدي وروحي، ارتَمَت إثرَهَا إلى ذهني الذكريات، كانهيار ثلجي غَمَرَتنِي. أنا أيضا لي قصة هنا، دَفَنَهَا لا وعيي في عُمقِ الذاكرة طويلا وها قد استيقظت.

 

لم يكن تحرشا بل كان اغتصابا، لم تَكٌن قبلة أو تقرباً كان هَتكَ عَرضٍ، لم يكن غريباً أو بعيداً، بل كان من الأقارب، بل كان عقرباً دسه عائلي في البيت فَأَورَثَني عِلَّتِي.

 

كانت جُملته الأخيرة تدق كالنَاقوسِ في رأسي وتَعَاقُبِ الذكريات، "حلاوة الحوت فصغرو"، كُنت طفلة لا أدري ماذا فُعِلَ بي، لكنني أدركت أن في الأمر غلط ما عندما هَددنِي وأمَرَني بالصمت.

 

لكن أمي لاحظت غرابة مشيتي والألم والاحمرار في مناطقي الحساسة. سألتني عما حَصَل، حكيت لها الأمر لكنني لم ألحظ في وجهها أي تَعَجب أو استِغراب، كانت ملامحَ غضبٍ فقط، لا حُزنَ لا أَسَف ولا مُواساة، وقالت لي بوجهٍ مُحتَقِنٍ بالدم: لا تُخبري أحدا عن هذا وبالأخَص والدَك. توجَّهَت بعدها إلى غرفة ابن خالتي، تحدثَا طويلا... وابتعد بعدها ولم أعُد أراه.

 

ظننتها عاقبته، ظننتها طردته لأجلي، ظننتها كانت تحميني، لكن الأصَح أنها كانت تحمي ابن أختها، كانت تحمي الوحش الذي التَهم حياتي وفرحتي. وأنا بعَقلِ الطِّفلِ الذي يُقدِّسُ والدَيه، كنت أظُن أن ما تَفعله أمي لا يُمكن إلا أن يكون لأجلي وفي صالِحِي. تَصَرُفُ أمي البارد وتناسيها الأمر، جعلني أتنساه أنا أيضًا وأدفِنه بعيدًا في الذاكرة.

 

هذه الذكريات أَبقَتنِي أياما بلا نوم، ذَرَفتُ فيها من الدُموعِ ما كان قادرًا على إغراقِي. ومن حسن حظي كنت أعيش وحدي بعيداً عن كل أهلٍ وأصحاب، احتَضَنَتنِي غُرفَتِي لأيام قبل أن أقرِر العودة لممارسة حياتي بطبيعية، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولَة. كنت كلما أقف تُسقِطُني الذكريات، كلما أبتسم ألمَحُ وجهه، وكلما أستَمع للموسيقى أسمَعُ جُملته الشهيرة بين الألحان بصوته الخبيث المُتلذذ "حلاوة الحوت فصغرو".

 

قرأت عن الحلول، ماذا بي أفعل اليوم كي أنجو من هذا الطيف المُتَربِّص الذي كَسَرَ ظهري وحَرَمَني حلاوة العَيش؟ طبيب نفسي أم صديق أفتح له صدري عله يعيد نسج خيوطي المتشابكة؟

 

تذكرت صديقي سعد، كان أقرب الناس إلي، كان الكتف التي تَسنِدُ رأسي كلما أثقَلَتهُ هموم الدُنيا. ذهبت إليه وحَكَيتُ له عن قصتي عَسَاه يساعدني. استمعَ وأنصتَ، نَصَحَ ووَعَظَ، عَانَقَ ورَبَّتَ، ودَعَاني لأن آتِيهِ كلما آتَانِي الحُزن، لئلا أُخبِرَ أحدا بالموضوع وأن أُبقيهِ سِرنا، لأن أعود للحياة وأستَمِر. كانت دَعَوَاتُه دُستُورِي الذي سَأكمل به العَيش.

 

بعد أسبوع من الحياة الشِّبهِ طبيعية آتَاني الحُزن وذهبت إلى سعد، استقبلني، تحدثنا قليلا وانتابتني نَوبة بُكاء وأنا بين يديه، عَانقنِي وحَاولَ امتِصَاصَ الحُزن الذي بِداخِلي. فسُرعان ما تَحوَّل الصديق إلى عدو، سرعان ما استَحَالَ سعد وحشًا، بدَا في عينَيه كَلامٌ كثير استطَعتُ قراءتَهُ بوضُوح تَام، كان يرَاني بنظرة شهوة كأنني أمامه فريسة سَهلة الاصطِياد، حاول هو أيضا التِهَام ما تبقى من رُوحٍ فِي جَسدي، عَلِمتُ في تلك اللَّحظة أنَّ ابن خَالتِي لم يَكُن الوَحِيد وأن الدُنيا مَليئَة بالوحُوش...

 

لا أدري كيف نَجوتُ منه، لكنَّ رُوحِي حتمًا لم تَنجو، جئتُ هنا لأخفف من حزنٍ وخرجتُ بآخر. حمَلتُ خيبتي وتَمشيتُ قليلاً. لم أبكِ فدموعي جفَّت من فَرطِ الصَّدمة، فَكَّرتُ كثيرا قبل أن أنهارَ تماما، لن أنكُرَ أن الانتحار كان فكرتي المُسَيطرة، لكنني لم أقوى على تنفيذِها. فماذا عني أنا، ماذا عن أحلامي وطموحاتي؟ تلك الحياة التي كنت أتمنى أن أحياها مازالت تستحق الحياة.

 

رغم أن ما حصل كان خيانة إلا أنها كانت ضربة مُقوية، فتَحتُ عيناي على وحوش أكثر في الحياة، كنت أدرى اليوم أنني فريسة سهلة لكل من يَعرِف قصتي، أنني عارٌ لوالدي، وواحدة من ملايين الضحايا.

 

ثم جربت الحل الثاني، الطبيب النفسي، الأدوية المُخدِّرة عَلَّنِي أستطيع النَّوم والاستيقاظَ باعتدال، أمَّا عن الحياة، فاعتدالها اليوم محال، لَربَّما غدا فلازال هناك أمَل.

 

ثُمَّ حان وقت الصَّدمة الثَّالثة، بعد أربَع حِصَص، في أربعة أشهُر، وفي الخَامس حَدَثَ ما لم يكن في الحُسبَان. أنا أحكي له عما خَلَّفَهُ التَّحَرشُ والاغتِصاب في نَفسي من أذَى، وهو يَتقرِبُ مِني بِكَلامِه المَعسُول، خَرجتُ ولم أعُد، رَمَيتُ الأدويَّة وكل ما قد يُذكِّرُني به، ومن حسن الحظ أن الجُرَعَ قد أصبحت أصغر بعد عدد الحصص ذاك، ومع ذلك كان تأثير إدمانها لازال يدق في رأسي. تَحرُّشُ الطبيب أعادَني لنقطة الصِّفر، لنُقطة ليس بعدها نُهوض، لا حلَّ اليوم لي سوى نفسِي، ونَفسي اليوم مُنتهية.

 

ليس لهذه القصة نهاية، أنا لم أنتحر، ولم أستَعِد صِحتي وحياتي كُليا، لن أحكي كيف تَحسَّنتُ وعَاودتُ النُّهوضَ. عنوان القصة ليس كيف تستعيد صحَّتك بعد التحرُّش والاغتصاب، وإنما هو عَن وَقعِ تِلك الأمورِ على رُوحٍ ضَعيفة. هذا الأمر ليس حِكرًا على المُجرمين إنما هو حَلال على الكُل، فالطبيب يتحرش والقريب يتحرَّش، قَريبَا لروح كان أم النَّسَب. بِحجة الغريزَةِ مرة، وعَيبُنَا واحد مرَّة، وهي من أثارَتني مَراتٍ عِدة.

 

 

أقُص اليوم حكايتي المَيِّتة، أم أقول المُمِيتَة، بحيث تُميتُ كل ذرة سعادة في قلبي كلما اشتَعلَت ذِكراها في ذِهني، أقُصُهَا كَدعوَة لتَشديدِ العقوبات، لتوعية العُقول، وحِماية الضَّحايا.

مجموع المشاهدات: 686 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع