الرئيسية | أقلام حرة | الفلسطينيون ودبلوماسية الأقنعة

الفلسطينيون ودبلوماسية الأقنعة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفلسطينيون ودبلوماسية الأقنعة
 

هناك ركن أساسي في التعامل الدبلوماسي يقوم على ما يسمى بمبدإ المعاملة بالمثل، وهو مبدأ متعارف عليه بين الدول غالبا ما يجد ترجمته في الاتفاق على التأييد المتبادل بين بلدين في قضايا أو في ترشيحات تخصهما. كما أن الأعراف الدبلوماسية تقتضي أن يكون تنسيق وتعاون بين الأقطار في القضايا والانشغالات سواء على الصعيد الثنائي أو في المحافل الإقليمية والدولية.

 

لكن هذا المبدإ عند الفلسطينيين لا يحظى بنفس التقدير والاحترام كما هو في دبلوماسية بلد من حجم المغرب الذي يحترم التزاماته وتعهداته لأنه بهذا الاحترام تقاس قيمة الدول وتزداد الثقة فيها. وإذا كان المغرب من أكبر الدول العربية التي لها فضل على القضية الفلسطينية عبر سلسلة من العقود، فكيف يحق للفلسطينيين أن يتنكروا لما قدمه المغرب من خدمات لقضيتهم في شتى المجالات. واليوم يصح فيهم ما قاله أبو الشعراء العرب المتنبي: أذا أكرمت الكريم ملكته، واذا أكرمت اللئيم تمردا. ونحن هنا لسنا بصدد التحامل على الفلسطينيين أو نفتري عليهم كما اتهمنا بذلك في مقالات كشفنا فيها عن تقلباتهم في مجال سياسة النفاق والشقاق وارتداء الأقنعة بحسب الظروف للضحك على الذقون. فالسياسة في المحصلة النهائية هي مبادئ وأخلاق، وأكثر من يجب عليه أن يكون متمسكا بهذه المبادئ هم الفلسطينيون لأن لهم قضية. وليعلموا أن قضايا الآخرين ليست موضع عبث، فالاستخفاف بها قد تكون لها ارتدادات على قضيتهم. فحذاري القرد يتشيطن زيادة عن اللزوم لكنه يترك عورته مكشوفة. وما قلناه في مقالات سابقة عن هؤلاء الفلسطينيين ها هو اليوم يصبح تحت الأضواء مكشوفا لكي لا يقال عنا مرة أخرى أننا نفتري عليهم.

 

ففي خلال أربعة وعشرين ساعة صدرت عن الجانب الفلسطيني في ما يخص قضيتنا الوطنية مواقف متضاربة ونحن كمغاربة نمتع النظر ونتفرج على هذا التناطح. شبيبىة فلسطينية تتهم المغرب باحتلاله أرضا لما يسمونه بالشعب الصحراوي، ويخرج السفير الشوبكي ليرمم الموقف بأكذوبة لم نصدقها من قبل حينما أعلن في بيان للسفارة أن ذلك الموقف الذي اتخذته الشبيبة لا يعبر عن الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية ولا عن موقف منظمة التحرير الفلسطينية، وأضاف السيد السفير أن الموقف الفلسطيني الرسمي هو مساندة المغرب في وحدته الترابية.

 

وفي اليوم الموالي خرج الفلسطيني بالجزائر ليفند كل ما قاله زميله في الرباط في تصريح للإعلام الجزائري. وبعد أن اعتبر بيان سفارة فلسطين بالرباط لا يمثل السلطة الفلسطينية، شدد ذلك السفير

 

على دعم الأطروحة الانفصالية لجبهة البوليساريو بالقول "إن فلسطين ترافع لصالح أن تحل القضية في إطار الأمم المتحدة من خلال تسريع وتيرة إجراء استفتاء يمارس بواسطته الشعب الصحراوي حقه في تقرير مصيره". وعلى خلاف زميله في الرباط الذي أعلن عن دعم الوحدة الترابية للمغرب، ردد السفير الفلسطيني بالجزائر بعد تصريحه الإعلامي في بيان له مقولة النظام الجزائري بعد أن وصف الصحراء المغربية بالصحراء الغربية.

 

وفي نفس اليوم كذلك، وبعد هذا التناطح بين السفيرين الفلسطينيين، خرج الثور الكبير من رام الله وقلنا أنه سيحسم في الأمر لكنه زاد الطينة بلة ورفس ما تبقى من الزرع لتطالعنا وزارة الخارجية الفلسطينية ببيان لا يسمن ولا يغني من جوع بأن دولة فلسطين لا تتدخل في شؤون الدول العربية الشقيقة، "جمعنا وطوينا" وأنهت شهريار كلامها المباح.

 

أية سياسة فلسطينية هذه وأية دبلوماسية يتبعها هؤلاء الفلسطينيون. إنها دبلوماسية الأقنعة، إنها دبلوماسية اللعب على الحبال إنها دبلوماسية تقاسم الأدوار المشبوهة. وفي قراءة سريعة لهذه المواقف علينا أن نشير أنه في ما هو متعارف عليه دبلوماسيا يجب على الإدارة المركزية وهي وزارة الخارجية في هكذا مواقف أن تستدعي سفيرها الذي لم يلتزم بالسياسة الرسمية لبلاده. وفي الحالة المعروضة أمامنا فإن كلا السفيرين الفلسطينيين في الرباط والجزائر لم يلتزما بالسياسة الخارجية لرام الله، ولذلك يحق فيهما أن تستدعيهما الوزارة لأنهما "تدخلا في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة". وأجزم أن ذلك لن يحصل لأن الأصل في التوجه والتعليمات التي تعطيها الوزارة كما يبدو لسفرائها الفلسطينيين "نافقوا أكثر ما استطعتم إلى ذلك سبيلا في بلدان اعتمادكم" عملا بالقول المعروف "أرضهم ما دمت في أرضهم وداريهم ما دمت في دارهم". فهذه دبلوماسية النفاق الحق فيها كما هو الباطل سيان . والمغرب الضارب في القدم لا تنطلي عليه ألاعيب الأطفال الذين فتحوا البارحة أعينهم في السياسة وامتهنوها تجارة من دون مبادئء وقيم.

 

دبلوماسية المغرب دبلوماسية عريقة ولها سجل حافل في هذا المجال الذي هو عصي على من هب ودب . فسفراء المغرب مارسوا هذا العراك منذ زمان لم يكن فيه وجود لأقزام دبلوماسية كما نراها اليوم ولم يكونوا آنذاك لا مضغة ولا نطفة مني. فأول سفير للمغرب عين لدى بريطانيا كان هو السفير الرايس أحمد بلقاسم عام 1588 في عهد الملك المغربي أحمد المنصور الذهبي . وكذلك عين المغرب السفير محمد بن عبدالمالك عام 1783 على عهد الملك محمد بن عبدالله لدى أمبراطور النمسا جوزيف الثاني. هذا المراس الدبلوماسي الذي تراكم لدينا نحن المغاربة عبر قرون تعلمنا فيها أجيال بعد أجيال المبادئ الصحيحة للدبلوماسية. حصل كل ذلك حينما كانت ما يسمى اليوم بأصناف الدول لا وجود لها إلا بعد أن أعطاها الاستعمار شهادة الميلاد.

 

وإذا كانت الدبلوماسية الفلسطينية اليوم تدعي أنها تنأى بنفسها عن التدخل في الشؤون بين الدول العربية الشقيقة، وجب علينا أن نذكر القائمين على هذه الدبلوماسية أنه لولا الضغوطات التي مارسها الملك الحسن الثاني رحمه الله على شقيقه العاهل الأردني الملك الحسين بن طلال أثناء قمة الرباط عام 1974 لما كانت اليوم منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وبفضل المغفور له الحسن الثاني تمكنت تلك المنظمة من أن تدشن انطلاقتها نحو العالم الخارجي. بعد كل لك يأتي الفلسطينيون ليتعلموا الكلام ويقولون لنا بأنهم لا يتدخلون في الشؤون العربية. ألم يتدخل الحسن الثاني في الشأن الأردني حينما دعا الملك الحسين بن طلال إلى فك الارتباط مع الضفة الغربية عام 6198 ليعطي زخما للقضية الفلسطينية. فأنتم المبتدؤون في هذا المجال عليكم أن تستفيدوا من هذه المدرسة المغربية لا أن تتراشقوا في هذا الحقل مع دول من طينة المغرب مثلما تتراشقون فيما بينكم كفصائل.

 

هذه هي الحقائق كما عشناها كأحداث في عين المكان سواء في غزة أو في رام الله أو في جميع مدن الضفة الغربية كمدينة الخليل، وطولكرم، ونابلس، وقلقيلية، وطوباس، وسلفيت، وبيت لحم، وجنين، وأريحا. وكنا نلمس عند الجميع هذا الأمر المريب الذي نعاينه اليوم في المواقف الرسمية للسلطة الفلسطينية. وحينما يتم تحريك بعض المشاهد للإيحاء بأن هناك مساندة شعبية للمغرب كعدم حرق العلم الوطني أو الخروج بسيارات في غزة احتفالا بذكرى المسيرة الخضراء إنما هي بهرجة ومسرحية يراد بها مزايدات سياسية أملتها الظرفية المقترنة بموجة التطبيع والتشويش والمزايدة على بعض الدول العربية الشقيقة حينما فتحت قنصلياتها في الصحراء المغربية.

 

 

حقائق نعيدها ونكررها على مسامعكم وعلى مسامع الذين يغررون بالمغاربة في المظاهرات المليونية بالرباط من أمثال أحمد ويحمان وخالد السفياني. وندعوهم اليوم في لحظة الحقيقة ولحظة سقوط الأقنعة أن يرشدونا أين يكمن الموقف الحقيقي لأصحاب تلك القضية التي تعتبرونها قضيتكم الوطنية الأولى. ندعوكم إلى الخروج من جحوركم وندعو السفير الفلسطيني في الرباط أن يقول لنا أي بيان سنعتمد هل بيانه أم بيان زميله في الجزائر أم بيان رام الله.

مجموع المشاهدات: 314 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة