خبر عادي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
خبر عادي
 

يقول الخبر في إحدى الجرائد أنه في حي مولاي رشيد بمدينة الفنيدق وقعت حالة انتحار من رجل في الأربعينات من العمر و تضيف المصادر حسب ذات الجريدة أن الهالك - رحمه الله- هو أب لخمسة أطفال و قد رجحت المصادر أن أزمة اقتصادية خانقة كان يعيشها المرحوم و تراكم الديون هي من كانت السبب وراء انتحاره...

 

و رغم أن مثل هذا الخبر عادة ما يمر مرور الكرام في مواقع التواصل الاجتماعي و لا يتجاوز المهتمون به و قراءه عددا محدودا على رؤوس الأصابع و لا يصل بأي حال للطوندونس و لا نجده محل نقاش في الإعلام و القنوات و لا تخصص له حتى نصف ساعة على أمواج الإذاعة فمثل هذا الخبر بكل بساطة لا يجذبنا... فنحن نعشق ما حدث مع صوفيا طالوني و ساري كول و جديد المؤخرات في روتيني اليومي و نعشق مشاهدة يوميات من لا يكفون عن إبهارنا بفطورهم و غذاءهم و مقالبهم السخيفة و المفبركة في بعضهم البعض فالمرحوم عاش طوال حياته شخصا مجهولا كملايين المغاربة لا هم له سوى لقمة العيش فمات مجهولا و بالكاد تم نشر خبر وفاته في أسطر معدودة لنرى كم أن الحياة ظالمة..

 

هل تخيلت مشاعر زوجته ألان و هل يمكن رؤية مشاهد البراءة على وجوه أطفاله الخمسة و هم الذين سيرافقهم سؤال أبدي يقول : لماذا انتحر أبي؟

 

أستحضر ألان دعاءا لم أفهمه يوما إلا أن بدأت أرى حالات الانتحار من هذا النوع تتناسل بيننا و يقول الدعاء الموثور : اللهم أحفظنا من قهر الرجال و غلبة الدين .. نعم بكل أسف هم مغاربة يغادروننا في هدوء و ينتحرون بطريقة لطيفة و صامتة حتى لا يزعجونا في رحيلهم و كأن لسان حالهم يقول : تركناها لكم فلتعيشوا فيها لوحدكم.

 

لقد رفعوا الراية البيضاء أمام الحياة المعاصرة الزائفة.. فكل يوم يزداد المغربي إنطواءا على نفسه و هو يحاول إخفاء أوجاعه بعيدا عن الآخرين فكلنا دخلنا في لعبة مفلسة تقول بأنك إن صرخت من الألم فقد خسرت و ما أصعب تقبل الخسارة لدى الكثيرين و رغم أن الانتحار في حد ذاته جرأة نادرة و لكنهم يختارونه حلا لنهاية عذابهم و أوجاعهم التي لا يعلم بها إلا الله..

 

يقول بعض الأئمة أن المنتحر هو في حكم الكافر و إن كان صحيحا فإنه فعلا أمر محير ففي النهاية هو لم ينتحر لأنه كان مستمتعا بشدة أو مثلا أصابه ملل من حياة غارقة في الرفاهية.. فهل يعقل أن الله العادل سيحكم عليه بنار جهنم في أخرته؟ فعلا هي أسئلة محيرة..

 

نحن أمة فقدت بوصلتها و أتلفت طريقها فلا نحن وصلنا لما هو موجود في أوروبا و الغرب بصفة عامة، حيث أن الإنسان هناك ينال حقه في الأكل و السكن و العيش حتى لو كان عاطلا و حيث الدول وجدت حلولا لكل الأوضاع الاجتماعية الصعبة الشاذة و لا نحن بقينا على طبيعتنا كمجتمعات محافظة تحافظ على أواصر الرحمة فيما بينها التي اختفت و أصبحنا فعلا غرباء عن بعض و أتحداك إن عرفت أسماء عشرة من جيرانك المقربين..

 

 

صحيح أن الدولة تحاول جاهدا في ما يخص الحماية الاجتماعية لكل المغاربة و برامج مثل راميد و دعم الأرامل و دعم تمدرس الفتيات هي حاضرة بين نسبة معينة من المغاربة و لكن الأغلبية تقريبا لا زالت بدون حماية اجتماعية حقيقية و مازالوا يدخلون ضمن فئات هشة لدرجة الدولة لا تحس بوجودهم إلا من خلال أرقام بطاقة التعريف الوطنية.. فمن الصعب تخيل أنه يوجد مغاربة يخططون لقضاء عطلهم في هواي و يفكرون كيف سينزلون في دبي أولا لاقتناء ملابس تفي بالغرض هناك لعرض صورهم في الإنستغرام، فيما يوجد مغاربة آخرون يتمنون من الله أن لا تطلع شمس اليوم الموالي و تجدهم على قيد الحياة لأنهم غير قادرون على دفع اشتراك ابنته الشهري في الدروس الخصوصية أو بطاقة النقل المدرسية، فسيدنا عمر كان يقول " لو عثرت بغلة في طريق العراق لسألني الله عنها لم لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ "

مجموع المشاهدات: 610 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة