الرئيسية | أقلام حرة | " إشكالية العلم والتعلم بين ضرورة التوظيف والتأَقْلُم"

" إشكالية العلم والتعلم بين ضرورة التوظيف والتأَقْلُم"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
" إشكالية العلم والتعلم بين ضرورة التوظيف والتأَقْلُم"
 

أولا:العلم والعلماء والتعليم أية مقاربة ومراقبة؟

 

إن واقع العلم والعلماء والمتعلمين قد يبدو مختلا اختلالا كبيرا في مجتمعنا العربي الإسلامي، إن لم نقل مزريا ومؤزما لحد القلق والتأرق والنحيب، وذلك راجع لأسباب وظواهر متراكمة ومفتعلة منها ذات الطابع العلمي المحض ومنها ذات المنحى السلوكي ومنها أيضا ذات التواضع الاجتماعي والوظائف المؤسسة عليه،ومنها ذات الحبك والحنك السياسي النفعي الذي يمتطي كل شيء ويوظف كل شيء ويستغل كل شيء ويناور على كل شيء...وهذا التداخل والتطفل والترامي على ميدان العلم من طرف غير المختصين والصادقين هو الذي فتح الباب لكثير من الانتهازيين والمعقدين لكي يقتحموا حرمه ويدوسوا كرامته ويستهينوا برجاله ودوره ،حتى أقنعوا أنفسهم وكذا غيرهم من السوقة والسذج بأن العلم والتعليم لا علاقة له بالواقع ،وإنما هو محبرة وورقة وبذلة بيضاء مترهلة و تأقلم مزيف بغير حمل حقيقي لقلم رائد." ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ".

 

ومن هنا وجدنا شبه صدمة أيقظت ، منذ زمن بعيد ،المسؤولين الرسميين والوصيين على المجال التعليمي في البلدان العربية من حلم مزعج ترتبت عنه نداءات مستعجلة ومستوجلة تدعو إلى العمل على إدماج الجامعة في المحيط الاقتصادي أو إقصائها من الحضور السياسي، وكذلك النظر في دور الجامعة للتأثير على العمل الاجتماعي، والقيام بدور المربي والطبيب وكذلك الحامي والمحافظ على الهوية الدينية والثقافية والوطنية للأمة، وذلك لما لوحظ من غياب ملموس لدور الجامعة في التفعيل الحيوي للمجتمع ككل، وبالتالي أصبحت عبارة عن محضنة للبطالة المهنية المبرمجة والتي في الأساس ناتجة عن البطالة الفكرية المرتبطة جوهريا بالتحصيل المعرفي ومناهجه داخل مدرجات الجامعات والمؤسسات العليا بشتى تخصصاتها ومناحيها.

 

فالأسباب وراء الاختلال الفكري عند المجتمع لا تكاد تنفصل عن بعضها البعض بحسب التلاحم القائم بين العلم والتطور الحضاري عند الإنسان في اعتباره مدنيا بطبعه، وهي بهذا تحتاج إلى وقفة تأملية وسبر دقيق لتخليص الآفة والعلة التي أدت بالعلماء

 

أو المتصدرين للمجال العلمي إلى أن يصبحوا في حالة بطالة فكرية وفراغ ثقافي يدور مع تحصيل الحاصل، أو لنقل يقطع ما كان ينبغي أن يبقى مسترسلا على سبيل التواصل والاطراد.

 

وحينما نركز على الجامعة بالدراسة والنقد الذاتي فذلك لأنها قمة الهرم في الطلب العلمي الرسمي أو المدرسي المبرمج، وإلا فهناك مجالات أخرى قد يتكون فيها العلماء ليست بذات خاصية الجامعة، ومع هذا فطلابها قد يفوقون مستويات الجامعيين سواء على مستوى التحصيل أو التفكير، أو لنقل على المستوى المنهجي والمعرفي.

 

وحيث إن الجامعة تتمتع بهذا الموروث المعنوي والمدعم رسميا وسياسيا، فكان لا بد لها أن تكون دائما هي الرائدة في مجال الفكر والإبداع، وإنتاج العلوم واستخراجها من القوة إلى الفعل كوظائف مناسبة وموازية، لمواكبة واقع العصر ومتطلبات المجتمع وكذلك متغيرات السياسة والوظائف المطلوبة لاستغلالها في بابها، أو اعتمادها كوسائل ومظاهر لتفوق أي نظام سياسي وثقافي معرفي على المسرح التاريخي الحضاري.

 

إذ ينبغي لأهل العلم أن يكونوا أولى بالوعي فيما يتعلق بمتطلبات الزمان وتغيرات الحال واعتبار الضروري من العلوم من غير الضروري؛ وكذا الكفائي من العيني، والتقليدي من التجديدي وهكذا دواليك...

 

ولقد تفطن ابن خلدون باعتباره فيلسوفا أو مفكرا أو مؤرخا اجتماعيا إلى مسألة تغير وظيفة ومصطلح المعلم و العلماء في دلالته بحسب التغير الاجتماعي، ملاحظا أن مناصبهم وألقابهم العلمية قد أصبحت في دلالتها ووظيفتها غير التي كانت عليه في زمن ولى ومضى، وخاصة من حيث اعتبار تلك الألقاب ودور أصحابها في التأثير السياسي والتوجيهي لأفراد المجتمع، فرأى بأن أعلى مستوى من حيث الظاهر ومن تمس الحاجة إليهم كمؤطرين اجتماعيين لتطبيق الأحكام الشرعية هم الفقهاء (كمصطلح ديني) لما لهم من علم بضبط الأحكام سواء تعلق الأمر بالإمامة أي السلطة السياسية العليا، أو كان يخص النظام الاجتماعي من حيث تدبير شؤونه وتنظيم معاملاته على قانون شرعي يكفل العدالة والاستقرار للجميع، بحيث سيصبحون فيما بعد يوظفون من طرف رجال السلطة على كل واجهة رسمية وتقليد -بروتوكولي- إن صح التعبير لغاية ترصيع المجالس "ولما يتنمح من التجمل بمكانهم في مجالس الملك لتعظيم الرتب الشرعية، ولم يكن لهم فيها من الحل والعقد شيء، وإن حضروه فحضور رسمي لا حقيقة وراءه، إذ حقيقة الحل والعقد إنما هي لأهل القدرة عليه، فمن لا قدرة له عليه فلا حل له ولا عقد لديه اللهم إلا أخذ الأحكام الشرعية عنهم وتلقي الفتاوى منهم" حسب ملاحظة ابن خلدون1.

 

كما يرى أيضا بأن "الشورى والحل والعقد لا تكون إلا لصاحب عصبية يقتدر بها على حل أو عقد أو فعل أو ترك، وأما من لا عصبية له لا يملك من أمر نفسه شيئا ولا من حمايتها وإنما هو عيال على غيره، فأي مدخل له في الشورى أو أي معنى يدعو إلى اعتباره فيها اللهم إلا شوراه فيما يعلمه من الأحكام الشرعية فموجودة في الاستفتاء خاصة، وأما شوراه في السياسة فهو بعيد عنها لفقدانه العصبية والقيام على معرفة أحوالها وأحكامها، وإنما إكرامهم من تبرعات الملوك والأمراء الشاهدة لهم بجميل الاعتقاد في الدين وتعظيم من ينتسب إليه بأي جهة انتسب، وأما قوله صلى الله عليه وسلم "العلماء ورثة الأنبياء"

 

فاعلم أن الفقهاء في الأغلب لهذا العهد وما احتف به إنما حملوا الشريعة أقوالا في كيفية الأعمال في العبادات وكيفية القضاء في المعاملات ينصونها على من يحتاج إلى العمل بها، هذه غاية أكبرهم ولا يتصفون إلا بالأقل منها وفي بعض الأحوال، والسلف رضون الله عليهم وأهل الدين والورع من المسلمين حملوا الشريعة اتصافا بها وتحققا بمذاهبها، فمن حملها اتصافا وتحققا دون نقل فهو من الوارثين مثل أهل الرسالة القشيرية، ومن اجتمع له الأمران فهو العالم وهو الوارث على الحقيقة مثل فقهاء التابعين والسلف والأئمة الأربعة ومن اقتفى طريقتهم وجاء على أثرهم، وإذا انفرد واحد من الأمة بأحد الأمرين فالعابد أحق بالوراثة من الفقيه الذي ليس بعابد، لأن العابد ورث بصفة والفقيه الذي ليس بعابد لم يرث شيئا، إنما هو صاحب أقوال ينصها علينا في كيفيات الأعمال وهؤلاء أكثر فقهاء عصرنا إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات"2.

 

وعند هذا النص يبدو المنحى السليم الذي يميل إليه ابن خلدون ومن سبقه من المفكرين والعلماء الصادقين من حيث اعتبار الوظيفة العلمية على مستوى التشريع وضبط السلوك المجتمعي، لأن الأقوال من غير أفعال مناسبة ومقتضية لها لا يعتبر بها في الشريعة الإسلامية، وإذا كان لا بد من فعل فإنه إما أن يكون على مستوى المصلحة الجماعية وتحقيق حركة فعالة ومؤثرة التأثير الإيجابي سواء في مجال السياسة أو الاقتصاد أو المعاملات العامة والأعراف والعوائد وما إلى ذلك مما يدخل في إطار الأنماط الاجتماعية اللازمة لكل مجتمع، وإما أن يكون على مستوى روحي تعبدي له آثاره السلوكية والعقدية وبالتالي يؤول فضله إلى التأثير على نمط السلوك الاجتماعي العام وسريانه في أوساط الناس على وجه ما، إذ المهم أن تكون له إيجابياته إن على المستوى الظاهري أو على المستوى الباطني وهو الأرجح والأرقى، لأن حقيقة الإنسان هو باطنه وجوهره، أما شكله فقد تشترك وتتشابه فيه مظاهر الإنسانية والحيوانية إن لم نقل حتى النباتية...

 

ثانيا:العلم والتعليم في المناسبة بين القيمة والأولوية

 

إذن فالعابد العامل أحق بالوراثة من العالم غير العامل،والطالب الساهر و المثابر أولى من النائم الخامل والمقامر ، وهؤلاء الأولون كما أشار إليهم ابن خلدون هم أهل الرسالة القشيرية أو بعابرة أوضح هم أهل التصوف الذي كان مصطلحه يعني في زمانه الإخلاص والصدق والوفاء والنصيحة للحق والخلق. هذا مع العلم بأنهم قد كانوا دائما علماء، بمعنى أنهم لا يتعبدون ولا يجتهدون عن جهل وإنما كانوا يحصلون مبادئ العبادة والسلوك وأصوله لكي يستقيم لهم السير في طريقهم إلى الله تعالى وذلك عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم" و"من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا" أو كما قال ويجمع هذا قول الله تعالى: "واتقوا الله ويعلمكم الله".

 

وهذا مؤشر بأن هؤلاء العباد في الحقيقة علماء في الظاهر والباطن،ليسوا مرتهنين بطائفة ولا حزب ولا مذهب ضيق، فيما ذكر عنهم القشيري في الرسالة كما أن علمهم خاص بمن يسلك طريقهم ومنهجهم، ومن لم يسلك وسلم لهم تصبه رائحتهم كبائع المسك "إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة".أي أنهم يكونون عونا للمجتمع وسندا له ومنارا للعلماء وطالبيه.

 

إذن فالاختلال وعدم التوازن المعرفي والسلوكي ق يبقى أكثر ورودا لدى الفقهاء أو من يسمون بعلماء الظاهر الرسميين من ذوي التحصيل النظري والاستظهاري المحض، لأنهم إذا لم يكن لهم تأثير في الواقع فإنهم سيكونون على مستوى من البطالة التي لا تليق والعلوم التي يتولون الإشراف على تحصيلها وتلقينها. إذ لو استجابوا لنداء علماء الباطن وأهل الحكمة والتبصر ، والذين من أهم تخصصاتهم السعي نحو تزكية النفوس وتطهيرها من النفاق والرياء والكبر والعجب والحسد وما إلى ذلك من الرذائل المعيقة للتواصل السليم في المجتمع ،فإنهم سيكونون قد حققوا الحسنيين، وبالتالي كانوا فاعلين في المجتمع سواء على مستوى التوحيد العقدي الذي هو أساس الدين وأصله، أو على مستوى التشريعي والقانوني أو التنظيم الاجتماعي في مجال التعامل الأسري والمالي والتعليمي والصحي والصناعي والتجاري والقضائي لتحقيق العدالة، وكذلك في مجال السياسة والحكم وتوفير الأمن والاستقرار للبلد.

 

لكن علماء زماننا بمختلف تخصصاتهم الدينية والدنيوية، وكذا سياسييهم وطوائفهم في غالبيتهم ،قد رفضوا هذا التواصل، كما رفضه غيرهم في فترات الانحدار الحضاري والاختلال الاجتماعي الذي عرفته بعض الشعوب الإسلامية حينما غاب المفهوم الصحيح للعلم والعلماء عن الأذهان . فأصبحت العلوم الشرعية والمبادئ المعرفية والثقافية التنويرية توظف في باب المهاترات والمناظرات الفارغة من المحتوى والهدف، والخالية من أخلاقيات الدين وأريحيته، وإنما تحصيل العلم أصبح الهدف منه الارتزاق وبيعه في الأسواق كما تباع قصائد الشعراء، وهي أسواق المراهنات السياسية وألاعيبها، والمزايدات الأيديولوجية ذات الخلفيات العرقية والإقليمية واللغوية، أو بعبارة أخرى تحكمت فيها العصبيات الجاهلية ومنطق الشعوبية، إذ المرض نفسه هو الذي كان وكائن وسيكون ما دام العلم يفرغ من محتواه وغايته وأبعاده الشريفة والمشرفة للمجتمع والدولة على حد سواء.

 

وفي هذا المضمار يقول الغزالي واصفا علماء عصره وكذلك عامتهم ومظاهر البطالة الفكرية في الجميع، أو إن شئنا قلنا مظاهر التقاعس عن طلب المعالي وأشرف المعاني: "وعلى الجملة فلا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم، فإن الحق مر والوقوف عليه صعب وإدراكه شديد وطريقه مستوعر ولا سيما معرفة صفات القلب وتطهيره عن الأخلاق المذمومة، فإن ذلك نزع الروح على الدوام، وصاحبه ينزل منزلة الشارب للدواء يصبر على مرارته رجاء الشفاء، وينزل منزلة من جعل مدة العمر يومه فهو يقاسي الشدائد ليكون فطره عند الموت.

 

ومتى تكثر الرغبة في هذا الطريق؟ ولذلك قيل إنه كان في البصرة مائة متكلم في الوعظ والتذكير، ولم يكن من يتكلم في علم اليقين وأحوال القلوب وصفات الباطن إلا ثلاثة: منهم سهل التستري والصبيحي وعبد الرحيم، وكان يجلس إلى أولئك الخلق الكثير الذي لا يحصى وإلى هؤلاء عدد يسير قلما يجاوز العشرة، لأن النفيس العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص وما يبذل للعموم فأمره قريب"3.

 

فالعلم والتعليم في الأصل هو الذي يعطي العمل ،أي أنه من حيث المبدأ أصله ومحركه وموظفه ومنظمه ومؤطره ومنتجه ومطوره ،فكيف يصبح في النهاية هو مصدر البطالة والخمول والكسل والفراغ والضياع والفقر والجهل والظلم والتسيب والتناقض

 

 

والدمار والقمار والسمسرة والقنطرة والمخمرة بدل المحبرة...إن هناك شيئا غير طبيعي في العقول وخللا مرضيا غير مقبول.فلا تنمية بغير علم ولا مكان للجهل حيث يوجد التعلم و العلم ،والجهل لا ينتج سوى جهل ثم جهل ثم جهل ثم جهول ، فما أقبحها وأذقعها من أوصاف حينما توظف من غير جزم ولا علم

مجموع المشاهدات: 4864 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة