الرئيسية | أقلام حرة | تناسق وانسجام التشريع و"القيم" بين الغرب والإسلام 2

تناسق وانسجام التشريع و"القيم" بين الغرب والإسلام 2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
تناسق وانسجام التشريع و"القيم" بين الغرب والإسلام 2
 

تابع..

مسألة ضرب الزوجة مثال آخر على واقعية الإسلام، والخيال الطوباوي المنافق المتناقض الذي يعيشه الغرب، حيث أن الضرب حاصل لا مراء لدى الجانبين.. وبينما يشرعه الإسلام في حدود معينة، وفي حيثيات معينة، وبضوابط معينة، انسجاما مع التكوين النفسي والعاطفي لكلا الزوجين، وحلا لمشكل النشوز الطارئ، وحفاظا على بقاء الأسرة... ها هو التشريع الغربي ينفي واقعا حتميا موجودا بالقوة وبالفعل، مؤْثرا تكتما وزيفا وتصادما بين النظر والواقع!!!..

التناقض في مسألة العقاب والتأديب بالضرب هذه لا يقتصر على الحياة الزوجية، بل يتعداها إلى تربية الطفل وزجر المجرم، حيث، ومقابل تشريع الإسلام التأديب بالضرب أو الزجر بالجلد، تجرم تشريعات الغرب أي عقاب بدني، لكن واقعهم يعج بممارسات عقابية بدنية قاسية تطال المرأة/الزوجة والطفل/التلميذ والسجين... بل يتعدى الأمر الضرب إلى حالات التعذيب المفضية في أحايين كثيرة إلى القتل.. بل، مرة أخرى، أصبح العنف سمة للمجتمع الغربي في شوارعه وإعلامه وجل مؤسساته ومناحي حياته،، الخاصة والعامة...

مسلسل التعارض يستمر ليظهر مظهر آخر من مظاهره على مستوى التعامل مع استهلاك بعض المواد كالدخان والمخدرات والخمور مثلا، حيث يسود تناقض صارخ مريع بين "الإباحة"، بل الترغيب، والمجهودات الإعلانية الضخمة والمكلفة التي تروّج لها من جهة، وبين "التكريه" فيها والتحذير من مخاطرها الصحية والاجتماعية، وما يرافق ذلك من حملات توعوية مضادة بدورها باهظة الكلفة، من جهة أخرى، وكأن لسان حالهم يخاطب المرء: يُستحسن لك أن تفعل ما يجدر بك ألا تفعله!!!..

حلقة أخرى من "اللامنطق" والانفصام(عن الواقع كله هذه المرة) يجسدها أولئك النباتيون الذين يعتبر الغرب منشأهم ويحمل اليوم لواءهم.. هؤلاء الذين "زادوا في العلم والتفلسف"، فراحوا يناكفون جوانب من الاقتيات كأساس في الوجود وللوجود بـ"تحريمهم" لأكل اللحوم، تعاطفا مع الحيوانات، ودعوتهم للاقتصار في الاقتيات على أكل النباتات،، مع أنّا لا نعرف شعور النباتات هي الأخرى عند قلعها أو قطعها أو اقتطاع جزء منها، ولسنا متأكدين من أنها تكون سعيدة!!!..

في سياق متصل، جدير بالإشارة أنه ولئن كان هؤلاء النباتيون يشكل طيفا من المجتمع الغربي، فإن لذلك المجتمع شبه إجماع على معارضة تذكية الحيوان عن طريق ذبحه..

والحال أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، وجعل لهم سننا للحياة، ومن هذه السنن ترتيب البقاء على الاقتيات، ومنه الأكل، وأصل الأكل المباشر للإنسان نبات أو حيوان، أما غير المباشر فهو نبات، حيث يكون الحيوان قد تغذى عليه.. غير أن المصدر الحيواني في الغذاء بلحومه الحمراء ودواجنه وأسماكه... يمثل نسبة مرتفعة جدا من ذاك الغذاء، سواء من حيث الكم أو الكيف وحاجة الجسم للتوازن..

وقد أتت الشرائع السماوية منسجمة مع هذه السنن. وهذا أمر طبيعي. فالخالق لن يشرّع ما يخالف سنن خلقه، ولن يَسنّ ما يعارض الشرائع، وإلا كان التناقض والعبث والفساد، والله تعالى عن ذلك منزه، حكيم خبير.. وعليه فما أحله الله لا يمكن أن يكون ضارا كقاعدة(بعض الأمراض لا تناسبها بعض الأطعمة)، وما حرمه الله لا يمكن أن يكون نافعا. وفي كل الأحوال لن يكون تدبيرنا للكون بكل مكوناته خير من تدبير خالقه، فغاية المطلوب منا أن نحترم وننفذ ما شُرع لنا من المدبر الحكيم. وهذا فيه توازن للكون ورحمة لمكوناته..

أعود، فأقول أن الأمر لا يعدو أن يكون تخبطا محضا، سواء ما تعلق بمعارضة أكل الحيوان مطلقا، أو ما تعلق بمعارضة ذبحه..

ففيما يخص معارضة الذبح، بداعي الرحمة في القتل، نقول أن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالإحسان في كل شيء حينما قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".. وهذا، من جانب أول وأولى، ومن منطلق مفهوم الدين الذي يُلزمنا ولا يلزمنا غيره، ومن جانب آخر فقد نشرت دراسات أن القتل ذبحا هو أسرع طريقة لفقد الإحساس بالألم ما دام يقطع الدم عن الرأس مباشرة وبسرعة فورية..

أما فيما يتعلق بمعارضة قتل الحيوانات إطلاقا رحمة بها، فناهيك عن عدم واقعية المطلب، حيث سيورّث مجاعة مهلكة، ويجعل قطعان الحيوان المختلفة المتكاثرة دون ضابط مهددة لوجود الإنسان ولغذائه على حد سواء!!!..

في مسألة مشروعية الذبح مثلا، قد يكون من حسن حظنا، نحن المسلمين، أنّا نشترك مع أهل بعض ملل الغرب في بعض الشعائر أو الشرائع أو العقائد(التذكية بالذبح، تحريم أكل لحم الخنزير، الختان، الصوم...)، لذا تراهم يتقبلونها منا ولا يعيبونها علينا، ولا يهزؤون منا بسببها، ولا يتهموننا فيها بالتخلف والشذوذ والسادية، بل قد يستجيبون لبعض طلباتنا بخصوصها، كتقديم وجبات "حلال" مثلا(حيوانات غير الخنزير، ومذكاة بالذبح) في مؤسسات تعليمية أو سجنية أو مراكز إيواء أو غيرها... لكن هذا التفهم والتقبل والتجاوب، اليقين أنه إنما يتم، في شقه الأكبر، فقط لأن ذلك البعض يؤمن بما نؤمن(في تلك الجزئية) ويطالب بما نطالب، فيشملنا الرضى عنهم وتلبية مطالبهم،، وبالكيفية التي يحددون..

يتبع..

 

مجموع المشاهدات: 5722 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة