الرئيسية | أقلام حرة | الجريمة والقاتل

الجريمة والقاتل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الجريمة والقاتل
 

يتبادر الى مسامعنا بين الفينة و الأخرى مصطلح "الجريمة "،فعندما ترتكب مخالفة مرورية ،فإن الشرطي يخبرك ان اختراق قانون السير هو بمثابة جريمة ،ولربما عندما تتحرش بفتاة في الطريق تخبرك أنك مجرم ،ولابد من معاقبتك ،ولكن هل كل مخالفة تعتبر جريمة ؟،لمعرفة الامر علينا أن نقوم بتعريف هذا المصطلح ،فالجريمة بمعناها السطحي نقصد بها :"هو كل فعل مخالف للقانون ،ويؤدي هذا الفعل الى عقوبات زجرية تختلف باختلاف الجرم "،ولكن هل يعتبر كل فعل جريمة ؟؟

اذا عدنا الى معطيات القانون الجنائي ،سنجد أول معطى ألا وهو "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص "،بمعنى أنه لا يمكننا أن نعتبر ذلك الفعل جريمة الا اذا أصدر في حقه نص أو مذكرة أو قانون يتبث أن ذلك الفعل هو جريمة ،على سبيل المثال "لا يمكننا اعتبار دهس حيوان بسيارتك جريمة "،نعم فهي جريمة في حق الحيوان ولكن لا يوجد نص يعاقب على دهس ذلك الحيوان ،لذلك فالفعل لا يعتبر جريمة الا اذا أصدر في حقه نص يتبث ذلك ،ولكن على مر السنين ومنذ أول جريمة في التاريخ ،الى حدود الان لو أمكننا احتساب تلك الجرائم الدموية سنجد أن هناك ملايين ولربما ملايير الجتث والدماء التي سفكت ،ولو طرحنا سؤالا واحدا من اصل آلاف الأسئلة الذي طرحها بني البشر منذ عقود قديمة الا وهو "ما السبب وراء ارتكاب هذه الجرائم ؟"،لو عدنا لاول جريمة في التاريخ سنجد أن قابيل قد قتل أخاه هابيل من أجل فتاة ،لذلك فالغاية من هذه الجريمة هي :الحب ،قد أسميه حبا ،وقد أسميها فطرة بشرية ،فعندما يرى الانسان أن ما يحلم بامتلاكه يمتلكه شخص آخر ،ويستطيع الوصول إليه ،وبالتالي فإن مشاعر الحقد والحسد والغيرة تتجسد رويدا رويدا ،حتى ينتهي الامر بانهاء حياة ذلك الشخص ،أو الابتعاد مستسلما لقدرك ،ولكن لو كان الخيار الثاني شائعا لما وجدت الجريمة أصلا ،فلكل مجرم غايته وهدفه الخاص ،لربما السرقة ،ولربما التهديد والابتزاز ،وتارة قد نجد أن الغاية هي الانتقام ،وتارة أخرى يكون الهدف هو اثبات الذات ،كل هذه الغايات قد تنتج شخصا سيئا ،فعلى مر العصور كل القولات ،البيئة تأطر الانسان ليرتكب جرائمه بدون أي ندم ،لانه بكل سهولة كما قال ميكياڤيلي "الغاية تبرر الوسيلة"، فمهما كانت غايتك ،فلا يهم أي الوسائل قد تستعمل،قد تكون مشروعة أو غير مشروعة لأن غايتك هي المهمة وسط دوامة الطرق ،لذلك المجرم يطبق هذه الوسيلة ،ولكن هل كانت هذه الوسيلة هي اختياره الاول والاخير ؟،الجواب صعب ولكن النتيجة قد تكون واحدة ،وهو تحقيق غاية لحظية دون التفكير بالعواقب ،فمهما كانت غاية الانسان فلا بد أنه قد استعمل العديد من الطرق المشروعة لتحقيقها ولتجنب مواقف يصير فيها وحشا بشريا ،ولكن كل تلك المحاولات قد باءت بالفشل لينتهي به الامر باختيار تلك الوسيلة ألا وهي "الجريمة ",بدون التفكير في العواقب لان الهدف يصبح لديه أهم من العواقب ،لذلك فالجريمة تبقى حل أخير لتحقيق ذلك الهدف ،فلا أحد يولد مجرم ،ولكن هل حقا لا أحد يولد مجرما ؟

كما تطرقنا سابقا لمفهوم الجريمة وأنها تكون وسيلة لتحقيق غاية محددة بغض النظر عن العواقب ،ولكن ماذا لو كانت الجريمة هي غاية ووسيلة ؟ كيف ؟

ان الإنسان بطبيعته كائن عدواني وعنيف ،وقد يكون السبب في تلك العدوانية هو تعرضه للعنف سابقا ،ويحاول أن يمارس العنف على بني البشر ،وهذا من أجل سبب واحد "الشعور بالانتشاء "،أظن أن هذه الإجابة قد تكون هي الحل لمعضلة أكبر ،ولسؤال أعمق "هل يولد الانسان مجرما ،أو ان بيئته هي التي أنتجت تلك الشخصية الإجرامية "،لو بحثنا في هذا الموضوع سنجد العديد من الايديولوجيات ،ولكننا لن نجد إجابة واحدة تختزل كل هذه المعطيات ،لذلك هل من الممكن ان يتحول الانسان من شخص عادي الى مجرم خطير ؟،

نعم ،هذه هي الإجابة الصحيحة فكل شخص بداخله وحش ،قد يستطيع ترويده بطريقته الخاصة ،وبالتالي سيعيش حياة بسيطة خالية من التعقيدات ،وهناك فئة لا تعلم كيف ترود ذلك الوحش يحاول الاستعانة بكل شخص يلتقي به لترويد ذلك الوحش ،يطلب مساعدته ولكن لا أحد يستجيب فكل شخص مشغول بترويد ذاته ،وبالتالي يجد نفسه في دوامة من التساؤلات ،دوامة يصعب الخروج منها ،تتغلب عليه الغرائز ،ويسيطر عليه ذلك الوحش الجائر ،فيكون هدفه هو البحث عن فريسة ليتغذى عليها ،فكلما افترس كائنا بشريا زاد جوعه وتعطشه أكثر وأكثر ،ولا يستطيع التراجع أبدا ،وهنا سنسقط في دوامة أكثر عمقا ،وحش يلقبه البعض ب"المختل العقلي "،ولكن الاسم الشائع بيننا هو "القاتل المتسلسل" .عند العودة لقصص القتلة المتسلسلين ،سنجد أن البيئة الذي تكونو فيها ،قد جعلتهم يتحولون تحولا جذريا من شخص عادي حياته خالية من التعقيدات ،لشخص يسيطر عليه ذلك الوحش وتتغلب عليه غرائزه ،فجميع تلك القصص الذي تتبادر الى أذهاننا رغم اختلاف شخصياتها ،سنجد أن هناك نقطة مشتركة بينهم ألا وهي "تحقيق النشوة والسعادة "،فالقاتل قد يصل الى مراحل متقدمة من السادية ،حيث أنها تملي عليه أن يقوم بأفعال وذلك من أجل تحقيق تلك النشوة الذي ما فتئ يبحث عنها باستمرار ،فتنتقل من تعذيبه لمخلوقات قد يعتبرها سخيفة ،إلى مخلوقات بشرية ،مستوى أخر ،بل ومستوى متقدم ،وبالتالي سعادة أكبر وأطول غير أنها تنتهي بموت ذلك البشري الذي اعتبره مجرد لعبة وأداة ليتسلى بها ،كطفل يكون متحمسا للعبته الخاصة ،والذي ما فتئ يصرخ عندما يلمسها أي شخص ،ولكن عند تكسرها فإننا نجد أن تلك المتعة قد اختفت ،ويحاول البحث عن لعبة جديدة من أجل التسلي واللعب ,فعندما نذكر سيرة القتلة المتسلسلين لا بد من ذكر بعض الاسماء التي اعتبرت بمثابة لعنة من أمثال "جيفري دامر ،جون غيسي ،جاك السفاح ،وسفاح تارودانت المغربي " والقائمة طويلة ،فكل واحد منهم كانت بيئته أقوى منه ،وساهمت في تطور ذلك الوحش ليظهر للعلن ، 

ويرتكب سلسلة من الجرائم ،لينتهي به المطاف وراء قضبان السجن ،ولربما فار من العدالة ،ولربما قد يضع حدا لحياته لينهي ذلك العذاب النفسي ،ويقتل ذلك الوحش الذي جعله يصبح لعبة بين يدي غرائزه وأهوائه .

وفي الختام أريد أن أختم مقالتي بقولة والذي أجدها

مناسبة لهذا الموضوع تحديدا 

"عندما تجد أحد كفتي الميزان قد خفت فٱعلم أن مكامن القوة قد ثقلت في كفة أخرى ،والتي ستكون بمثابة لعنة على الجميع ،تبتدئ بالاستحالة وتنتهي باليقين " 

 
مجموع المشاهدات: 5568 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (1 تعليق)

1 | سلمى
الفعل الاجرامي
أولا اريد ان اشكر صاحبة المقالة الانسة نسيمة على كتابتها لهذا المقال الرائع والمتكامل ونريدها دائما في نفس المواضيع شكرا لكم جريدة أخبارنا على هذه المقالات الحرة
مقبول مرفوض
0
2022/12/08 - 09:07
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة