معاذ: شهادة وفاة موقّعة إدارياً
عندما نكتب عن معاذ، فنحن لا نكتب بدافع الاصطفاف مع الضحية ، بل نبحث عن أشلائنا التي نزفت معه كهيئة تدريس في صمت المؤسسات التعليمية
لم نعرف معاذ عن قرب لكننا عرفناه من خلال أنفسنا ومن خلال عملنا اليومي ومن خلال ما يحدث في مؤسساتنا التعليمية من اضطهاد و ظلم
لم نجلس معه يومًا، لكننا سمعنا عنه من خلال ما لم يقله في رسائل صمته، كان يشبهنا كثيرا أكثر مما يحقّ لأي منا أن يعترف.
لم يكن مطلوبًا منه أن يُدرّس، كان مطلوبًا منه أن يصمت، أن ينافق ،أن يخضع أن يُشبه كلّ الأساتذة الذين تعلّموا النجاة بالصمت، والركض في الممرات دون أن يُصدروا صوتًا، كانوا يريدونه ظلًّا على الحائط، لا مربيا له موقف.
لكن معاذ، ذاك الشاب الذي بدأ حياته المهنية بالمآسي، لم يكن يعرف أن المدارس ليست كلها مدارس، وأن المدير قد يكون خصمًا لا شريكًا، وأن التهمة في هذا القطاع تخرج من أفواه جمعيات الآباء وتُخَتَم بخاتم "الإدارة".
لم يكن يعرف أن كرامة الأستاذ تُعلّق في أروقة المديريات، وأن شكايةً كيدية قد تكون المِشرط الذي يفتح خاصرته دون بنج.
معاذ لم ينتحر، معاذ أُعدم إداريًا، بمحضرٍ باردٍ، ولجنةٍ استمعت إلى طرفٍ واحد،
ولم تسمع وجع شابٍّ أنهكته التهم قبل أن يُتمّ فصله الدراسي الأول.
معاذ كان صادقًا أكثر من اللازم، هشًّا أكثر من المسموح،وكان الموت بالنسبة إليه أقلّ قسوةً من وثيقة توقيف بلا استماع، ومن وطن لا يُنصت إلى الأساتذة إلّا عندما يصمتون إلى الأبد.
معاذ لم يكن أستاذًا عاديًا، بل مرآتنا المكسورة التي عكست ما نخاف أن نواجهه نحن، حين نُجلد ولا نصرخ، حين نُهان ولا ننسحب،وحين نواصل العمل لأننا خائفون من "المستقبل " أكثر من الألم الذي لحق بنا .
فلا تلوموا معاذ،ولوموا كلّ الذين دفعوه ليختار القبر بدل الطعنات اليومية
ولوموا منظومةً تُشبه قفصًا كبيرًا، لا يُسمح لك أن تطير فيه إلا إذا كُسرت أجنحتك.
رحمك الله معاذ وأسكنك فسيح جناته
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

التعليقات
3آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
أشرف العوني
معاذ الضحية الصامتة
رحم الله معاذ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون وسيظل ذلك الظلم الذي سلط عليه وصمة عار في جبين وزارة البؤس والظلم والطغيان
الداهوز
الانتحار ليس شرفاً وكرامة ؟!
ليس المهم ما يحدث لك، بل المهم ما الذي ستفعله بما يغلق باباً بحكمته ويفتح ألفَ بابٍ برحمته" هي عبارة تعني أن الله تعالى يمنع عن العبد شيئًا ما لحكمة يعلمها، ولكنه يعوضه بأشياء أفضل وأكثر برحمة منه يحدث لك
لاهوز
حين تتحول المؤسسة إلى مقصلة
معاذ لم يُعدم فقط بمحضر، بل بغياب الإصغاء،بانعدام الاحتواء، وبتراكم صامت لليأس. وفي النهاية، لم يرحل ،هربًا من الحياة، بل من "مؤسسة" قتلت فيه الحلم لمن يلومه على انتحاره… معاذ لم ينتحر، بل قُتل عدة مرات قبل أن يموت ،