د. العيساوي يوضح الفرق بين قراءة القرآن من الهاتف وقراءته من المصحف الشريف

الحياة تعود لواد ملوية بعد سنوات من الجفاف

ليلة روحانية في وجدة: المقرئ العيون الكوشي يجمع الآلاف في مسجد محمد السادس

مشادات ورشق بالقارورات والشهب بين جماهير الجيش والوداد في المگانة...وتدخل أمني لاحتواء الوضع

حجز عصي وسواطير وشيشات بحوزة جماهير الجيش الملكي خلال تفتيش أمني تقوده فرقة مكافحة العصابات

فرحة مجنونة لجماهير الوداد الرياضي بعد صاروخ حكيم زياش في مرمى الجيش الملكي

الأمن كمؤسسة استراتيجية… من الوظيفة التقليدية إلى هندسة الاستقرار الوطني

الأمن كمؤسسة استراتيجية… من الوظيفة التقليدية إلى هندسة الاستقرار الوطني

بقلم نجيب الأضادي

لم يعد الأمن في المغرب مجرد وظيفة تقليدية تقوم على حفظ النظام العام والقبض على المجرمين وتقديمهم إلى العدالة. لقد تحوّل، خلال العقدين الأخيرين، إلى مؤسسة استراتيجية متكاملة تشتغل ضمن رؤية وطنية شاملة، هدفها حماية استقرار الدولة وصيانة ثوابتها ومواكبة التحولات العميقة التي يعرفها العالم.

هذا التحول لم يأتِ صدفة، بل جاء نتيجة إدراك الدولة المغربية أن مفهوم الأمن لم يعد محدودًا في البعد الجنائي التقليدي. فالتحديات الجديدة أصبحت مركّبة ومتداخلة: إرهاب عابر للحدود، جريمة منظمة، تهديدات سيبرانية، اختراقات معلوماتية، شبكات تهريب دولية، جرائم مالية واقتصادية، ومخاطر اجتماعية قد تهدد الاستقرار العام.

أمام هذه التحولات، انتقلت المؤسسة الأمنية المغربية من نموذج “الشرطة التقليدية” إلى نموذج “الأمن الشامل”؛ أي أمن يشتغل بمنطق استباقي واستراتيجي، ويعتمد على التحليل المعلوماتي، والتنسيق المؤسساتي، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة.

لقد أصبح الفعل الأمني اليوم يقوم على ثلاثة مستويات متكاملة.

■ المستوى الأول هو الأمن الوقائي والاستباقي، حيث لم يعد تدخل المؤسسة الأمنية مرتبطًا فقط بوقوع الجريمة، بل أصبح يقوم على تحليل المعطيات ورصد المؤشرات المبكرة للتهديدات، سواء تعلق الأمر بالتطرف العنيف، أو الشبكات الإجرامية، أو الجرائم الرقمية. وهنا تبرز أهمية العمل الاستخباراتي والتحليل الاستراتيجي في صناعة القرار الأمني.

■ المستوى الثاني يتمثل في الأمن السيبراني وحماية الفضاء الرقمي. فمع التحول الرقمي الذي تعرفه الدولة والمجتمع، أصبح الفضاء الإلكتروني ساحة جديدة للتهديدات: اختراقات، ابتزاز رقمي، جرائم مالية إلكترونية، ومحاولات استهداف البنيات المعلوماتية الحساسة. لذلك أصبح الأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من المنظومة الأمنية، يهدف إلى حماية المعطيات والمؤسسات والمواطنين.

■ أما المستوى الثالث فهو الأمن الاقتصادي والاجتماعي. فاستقرار الدول اليوم لا يتحدد فقط بقدرتها على مواجهة الجريمة، بل أيضًا بقدرتها على حماية الاقتصاد الوطني وضمان ثقة المواطنين في السوق والنظام العام الاقتصادي. لذلك أصبحت المؤسسة الأمنية حاضرة في مكافحة الجرائم المالية، وتفكيك شبكات التهريب، والتصدي للمضاربات غير المشروعة، ومحاربة الغش التجاري والمواد الفاسدة التي تهدد صحة المواطنين واستقرار السوق.

إن هذا التحول يعكس انتقال الفعل الأمني من مجرد آلية تنفيذية للقانون إلى أداة استراتيجية لحماية الدولة والمجتمع. فالمؤسسة الأمنية أصبحت تشتغل وفق رؤية وطنية تحكمها محددات واضحة: حماية الثوابت الدستورية، صيانة الأمن والاستقرار، دعم مسار التنمية، والحفاظ على الثقة بين الدولة والمجتمع.

كما أن رجل الأمن في هذا النموذج الجديد لم يعد مجرد منفذ للإجراءات القانونية، بل أصبح فاعلًا ميدانيًا متعدد الكفاءات: يمتلك الوعي القانوني والحقوقي، ويستعمل التكنولوجيا، ويشتغل ضمن مقاربة تواصلية وإنسانية تحافظ على كرامة المواطن وتعزز الثقة في المؤسسات.

ومع ذلك، فإن الأمن – مهما تطور – يظل مسؤولية جماعية. فالمؤسسة الأمنية لا يمكن أن تعوض أدوار المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية. الأمن يحمي الاستقرار، لكنه لا يستطيع وحده معالجة اختلالات السوق أو تعويض ضعف السياسات الاجتماعية. لذلك فإن نجاح المدرسة الأمنية المغربية يرتبط أيضًا بفعالية باقي المؤسسات في أداء أدوارها.

إن ما نشهده اليوم في المغرب هو تبلور مدرسة أمنية وطنية متقدمة، تتطور مع الزمن، وتتكيف مع التهديدات الجديدة، وتشتغل بمنطق استراتيجي يضع الإنسان والوطن في قلب المعادلة الأمنية.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات