السلطات تواصل عمليات البحث عن ناجين محتملين تحت أنقاض عمارة عين النقبي بفاس

شجار بسبب "دراجة هوائية" ينتهي بجـريمة قتـل مروعة بوجدة

الخروف بـ1000 درهم.. البرلمانية زينب السيمو تعلق على مداخلة وزير الفلاحة حول أضاحي العيد

أخنوش: من خلال تنزيل مجموعة من الاستراتجيات.. الحكومة حققت خطوة كبيرة في مسار بناء المغرب الصاعد

الله يعطيهم الصحة.. سلطات وزان نظمو سوق الحولي بطريقة احترافية ونجحو في حملة "زيرو شناقة"

الأبواب المفتوحة للأمن تستقطب أعداداً هائلة من الزوار.. انبهار كبير بأحدث التقنيات وإشادة بالتنظيم

أطفال التوحد... شموع تحترق

أطفال التوحد... شموع تحترق

أحمد أولادعيسى

عنَّ لي الكتابة عن أطفال التوحد، بالتزامن مع اليوم العالمي للتوحد وانا يملئني التساؤل عما هو مخول لهذه الفئة المجتمعية من حقوق، وما يجب علينا فعله ايزائها كأفراد ومؤسسات. فبرؤية متفحصة للواقع المعيش، نذرك ان هذه الفئة لازالت تقاصي الكثير، بالإضافة الى اسرهم التي تكابد وتضحي من اجل أن يحظو هؤلاء الاطفال بفرصة للعيش داخل المجتمع بشكل عادي وطبيعي اسوة بباقي الأطفال.
ان محاولة اقتحام عالم أطفال التوحد يبقى امرا عسيرا، بالنظر لما يكتنزه هذا العالم من خصوصيات تتباين وتتمايز ما بين طفل وطفل اخر، بل يطغى هذا التباين حتى على مستوى الاسر نفسها، الشيء الذي يجعل عالم أطفال التوحد عصي عن الفهم، وغريب الى حد بعيد. وبحجم هذه الغرابة تكبر معاناة الاسرة وتتعقد، لاعتبارات يصعب حصرها. ومن هذا المنطلق، جاءت الفكرة لاقتحام بعض الجوانب داخل هذا الموضوع / الطابو، املين ان نحيط ولو بشكل يسير بما يحفل به هذا العالم المتفرد من مآسي والآلام، والتي تعيشه تلك الاسر يوم على يوم في صمت طويل، لا يكسره الا قوة الإصرار ويغديه الثقة في الإرادة الالهية. 

وعلى هذا النحو، حاولنا تناول هذا الموضوع من خلال ابراز اهم التحديات التي تواجه أطفال التوحد، والتي يمكننا تحديدها في مستويين. المستوى الأول ويتمثل في الوعي الاسري، ثم المستوى الثاني الذي يرتبط بشكل وثيق بالجانب المؤسساتي، وإذا كان الربط ما بين هذين المكونين من الناحية الاولية يظل بعيدا وغير متجانس، بيد انه من المنظور الجوهري يتقاطع فيما بينه، مشكلا مدخلا اساسي لفهم وضعية الطفل التوحدي الى حد معين. 

 الوعي الاسري مدخل اساسي لمساعدة أطفال التوحد 

بداية استحضر واقعة لطبيب أطفال، يحكي فيها عن حالات لأطفال تعرض عليه لإجراء فحوصات طبية لأمراض عضوية يعانون منها ،غير انه يلاحظ ضمن تشخيصه ان بعض الحالات فضلا عن معاناتها من امراض عضوية معينة ،تظهر عليها بعض اضطرابات التوحد ،وعند مواجهة الام او الاب بهذه الحقيقة ،طالبا منهم  مواصلة الفحوصات من قبل طبيب مختص لتمكينهم من تشخيص دقيق حول مستوى التوحد ،يحجم الوالدين عن هذا الامر ، الشيء الذي يفاقم من معاناة الطفل ويعقد وضعيته .هذه الواقعة دفعتني الى التفكير بشكل اكثر عمقا لفهم الدواعي التي تحول الابوين دون التقييد بتوجيهات الطبيب ،ولعل الإجابة تتمثل في  الوعي داخل الاسرة بطبيعة اضطرابات التوحد او طيف التوحد كمدخل أساسي ،ومدى  الدور الذي تحققه العلاجات المقدمة لفائدة الطفل التوحدي ،فضلا عن الكيفية والطرق الملائمة والامنة للتعامل مع هذا الطفل، سواء من ناحية التربية داخل البيت ,لما تتيحه هذه الأخيرة من إمكانات مهمة لتنمية قدراته في التواصل مع المحيط وتطويرها .....ثم كذلك أهمية المدرسة ،وما توفره هذه الأخيرة من وسائل مهمة لتحقيق الاندماج في المجتمع بشكل عادي وفعال . فالتعلمات التي يكتسبها الطفل التوحدي في ظل هذه البيئة تساعده كثيرا في تحقيق الاندماج في محيط المجتمع كطفل عادي وسوي، قادر على العطاء والتعبير عن إمكاناته كباقي الأطفال، ولكن شريطة وجود بيئة واعية بخصوصية التوحد، انطلاقا من الاسرة باعتبارها كفاعل محوري واساسي ضمن مجموعة من المؤسسات الأخرى التي يتقاطع دورها في هذا الصدد، كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات العلاجية الاستشفائية، حيث ان تمكين الأطفال من فرص العلاج في المراحل الأولى، يعزز من إمكانية تجاوز التعثرات -الحسية السلوكية التواصلية- التي يعانون منها والتي تبقى كعائق امامهم، ولا تتيح لهم فرص تطوير امكاناتهم الذاتية .وفي نفس السياق فغياب المعرفة بشكل كلي يطرح كمشكل كبير، على اعتبار ان الاسرة الغير متعلمة{ الاب و الام غير متعلمان} رغم رغبتهم في مواكبة البرامج والبرتوكولات العلاجية، الا ان صعوبة الفهم وادراك محتوى تلك البرتوكولات، قد يعيق  مواكبة  الاسرة لتحقيق التكامل العلاجي الموجه للطفل الذي يعاني من التوحد ، فالانسجام ما بين جميع المكونات داخل البنية العلاجية، يعزز من فرص ادماج الطفل الذي يعاني من التوحد داخل المجتمع . ان غياب الإمكانات المعرفية لدى الاسرة تظل اشكالا محوريا يصعب التغلب عليه، ويحد من إمكانية ادماج هذا الأخير داخل المجتمع، كما ان تحقيق التكامل لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه الى ضرورة توفر عناصر أخرى كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات العلاجية، التي تبقى هي نفسها عائقا كبيرا يلازم أطفال التوحد ويحول دون استفادتهم من خدماتها بشكل معقول وفعال، وهو ما سناتي على تفصيله في المحور الثاني.

 دور المؤسسات العلاجية والاستشفائية في تحقيق الادماج المجتمعي لأطفال التوحد

لا غرو ان دور الاسرة كفضاء حاضن ومساعد لعلاج الطفل الذي يعاني من اضطرابات التوحد بفضل وعيها بطبيعة التوحد وأساليب معالجته، يظل امرا حيوي وعامل اساسي، غير ان المشكلة ليست كامنة في غياب الوعي داخل الاسرة كمحدد وفقط، بقدر ما تتجلى في غياب التكامل او القدرة على خلق بنية منسجمة مع باقي المكونات الأخرى وعلى راسها المؤسسات العلاجية، وهنا يكمن العائق الأكبر. فكما هو معلوم ان المشكل بالنسبة للأطفال التوحديين يتجلى في  اضطرابات سلوكية وتواصلية، وهو ما يتطلب تشخيصات أولية دقيقة ترتكز على الجوانب النفسية ثم العضوية ، والتي تخلص في مجملها الى  ضرورة خضوع الطفل التوحدي لحصص الترويض الطبي لدى مختصين في تقويم النطق، وكذلك الترويض الحسي الحركي ،بمعدل 3 او 4 حصص في الأسبوع بحسب وضعية كل طفل ،هذا البرتوكول العلاجي المكثف ،بغض النظر عن فعاليته  الا انه مكلف ويتجاوز إمكانات الاسر ،حيث ان مبلغ الحصة الواحدة المحددة في 30 دقيقة يتجاوز 200 درهم ، ناهيك عن الاستشارات الطبية المواكبة للبروتكول .فضلا عن هذا  حيث توجد حالات لأطفال التوحد يعانون من اضطرابات عصبية حادة والتي تتطلب مواكبة من قبل اختصاصي في طب الاعصاب ، ولنا ان نتصور حجم المبالغ التي على الاسرة توفيرها كل شهر من اجل اتباع هذه العلاجات السالف ذكرها و بالكيفية المطلوبة. كما يجدر الإشارة الى ضرورة تمكين الطفل التوحدي من اللولوج الى المدرسة ليس كحق أساسي اسوة بباقي الاطفال، ولكن لاعتبارات تتجلى في كون المدرسة فضاء مهم لأطفال التوحد وضروري لتحقيق ادماجهم وتجاوز تعثراتهم في تكامل مع المؤسسات العلاجية التي تنصح بهذه الضوابط، وقد يتطلب الامر مصاحبة يومية داخل المؤسسة التعليمية من قبل مرافقة /مدربة، من اجل تطبيق البرامج العلاجية المتبعة في هذا الصدد، مما يعني تكاليف مالية إضافية لتغطية نفقات هذه الخدمات.

ان دور المؤسسات العلاجية الى جانب المدرسة، بقدر ما يحقق تقدم ملموس في وضعية الطفل وتحسن مستمر، بقدر ما يفرض على الاسر تبعات مالية كبيرة تفوق قدرتهم، او تثقل كاهلهم في أحسن الحالات، فخيار اللجوء الى المؤسسات الخصوصية بما تفرضه من تكاليف مالية، مرده غياب مؤسسات عمومية استشفائية وتعليمية، تلبي الحاجة بالقدر والكيفية المناسبة حسب طبيعة حالة الطفل التوحدي، ومن اجل تدارك هذا النقص او الغياب اذا استحضرنا المجال القروي ، تلجئ الاسر الى الخدمات المقدمة من قبل المؤسسات الخصوصية سواء في المجال الاستشفائي والتربوي لتمكين الطفل من فرص تجاوز العقابات التي تحوله دون تحقيق الادماج في المجتمع بالكيفية المطلوبة. 

من هنا أدركت الدواعي والاسباب التي تجعل بعض الاسر تحجم عن اتباع نظام علاجي استشفائي بإشراف اطباء متخصصين  حسب ما حكاه طبيب الأطفال،  فالأمر غير مرتبط بوعي الاسرة فقط، بل بكلفة العلاجات التي تفوق قدراتهم بكثير، ويبقى مصير ذاك الطفل بيد خالقه وبارئه، وتموت معه كل شعارات أطفال التمييز وذوي الهمم بكل هدوء وفي صمت مطبق.



هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة