أذ عبد الهادي وهبي
في زمن الاحباطات و الهزائم المتتالية من المحيط المختل إلى الخليج المحتل لوعيه ، والمستغل لثرواته الطبيعية، نعود لنتباكى على ماضينا المجيد ـ نعود إلى عهد الفكر و العلم و الدين و السياسة الرشيدة ، والمواطن الحق ، نعود إلى فترة الازدهار الفكري و العلمي و الديني لعالمنا الإسلامي ( العرب – العجم – الفارسيين ..) ، وناخد اليوم نموذجا لأهم إنتاج فكري إسلامي ، وهو اهتداء العالم الرياضي المسلم الخوارزمي إلى اختراع الصفر ، فشكل ذلك أول ثورة رياضية وعلمية ، رغم أن الأمر في البداية ذو طابع ديني من خلال التوحيد و علم الميراث ، و استعمل بعد ذلك في العلوم العقلية و النقـلية ، هؤلاء المسلمين الأوائل ، وضع الصفر بين العقل و الأنامل ( الأصابع ) وانتجوا لنا حضارة بنيت على الدين و العلم ، لا تزال معالمها قائمة حتى بعد مرور مايقرب عن 14 قرنا ، إنتاج فكري شكل أساس الحضارة الغربية الحالية . ولكن نحن اليوم نخالف هذا التوجه لأننا و ضعنا هذا الصفر في أماكن أخرى فـــــمـــاهي ياتــــرى ؟
من المؤسف القول ، أننا اليوم في القرن 21 ، أخذنا هذا الصفر من موضعه الصحيح الأول إلى ثلاثة مواضيع جديدة وهي : الرأس ( كالقبعة....) او في الوسط ( حزام للرقص وغيره ) وأخيرا جلسنا عليه (و أصبنا بمرض معد و خطير وهو حب الكراسي إلى درجة العبادة ) ،فالموضع فالأول ، وخاصة في بلدان الخليج العربي ، فالكل يضع صفرا على رأسه ، يعرف انه عربي في الغابات و الجبال و الفجاج و قمة ايفريست ، هذا يدل على إننا تحت الصفر في حضارة اليوم ، و الموضع الثاني ، حزمنا به أواسطنا ، وسرنا نرقص و نهز الأكتاف و الارداف و البطون المهترية من كثرة الرقص ، و الراحة و الخمول وربح اقتصاد الريع ، حيث الإرباح و الأموال تتدفق في الأرصدة البنكية بدون عرق جبين ، أصبحت لنا قنوات لتشجيع الشباب و الشابات على الرقص و فنونه ، ومهرجانات لا تتوقف طيلة السنة ، من مهرجان موازين إلى مهرجان قسنطينة إلى مهرجان قرطاج إلى مهرجان القاهرة إلى مهرجان " هلا فبراير '' فأصبحت ، ترى العالم العربي مهرجانات للرقص و الغناء . وشوهنا صورة العرب و المسلمين تشويها،لم يسبق له مثيل وكأن العربي و المسلم اليوم لا يساهم في حضارة القرن 21 سوى بالرقص و الغناء ، ومن الحقائق رأينا كيف أصبحت لدينا ، قنوات عربية في الخليج ، تكون الراقصين و الراقصات ، وقد أصبت بالخبية على ان مواطنا مغربيا يبكي لأنه أقصي من مباراة او مسابقة في اختيار أحسن الراقصين في العالم العربي ، تقدم والله كبير جدا للعرب عامة ، ولكنه تقدم في المسخ و الندامة ، الموضع الثالث قد كان أسلافنا الأوائل يتبرؤون من الكراسي و المهام ، لأنهم كانوا يعرفون حق المسؤولية ، ولكن اليوم لن تجد مواطنا عربيا من المحيط إلى الخليج يرفض المناصب و الكراسي ، حتى أن تصريحا للزعيم معمر لقذافي ، الذي يقذف ألان شعبه بالصواريخ و غيرها ، اعتبر ان الديمقراطية هي الجلوس على الكراسي أي ان يجلس الشعب على الكرسي ، لأنهم استيقظوا من نومهم يريدون استعادة الكرسي الذي ، اعتبره هو الديمقراطية .
لقد استطعنا ان ننزع هذا الصفر من موقعه الذي وضعه له العالم و الرياضي المسلم الخوارزمي ، ونقلناه الى تلكم المواضيع السابقة الذكر ، فكانت النتيجة الاحتقار و الإهانة ، وعلى القابلية للاستعمار التقليدي الذي خرج يجور ذيل المهانة و الهزيمة بفعل ضربات المقاومة ـ ليعوذ إلينا من النوافذ عن طريق الاستعمار الجديد بواسطة الغزو الاقتصادي الثقافي و الفكري ، الذي تمثله الاتفاقيات و المعاهدات و الجامعات الأجنبية ،و الشركات المتعددة الجنسية في العالم العربي،والتي حولتنا الى مختبر لكل تجارب الغرب ، رغم أن هذه التجارب أثبتت فشلها من قبيل العلمانية الكاذبة و الاشتراكية البائدة و حقوق الإنسان التي لا يحترمها احد في كثير من الحالات فمتى نستفيق و نعيد الصفر إلى مكانه قبل فوات الأوان ؟
