استعدادا لعيد الأضحى.. بداية عمليات الإنتقاء والوشم للماشية سلالة تمحضيت بإقليم ميدلت

وصول منتخب نيجيريا لمدينة فاس بعد الفوز على الجزائر

فضيحة..لاعبو الجزائر يهاجمون حكم المباراة والأمن المغربي يتدخل

أخنوش: نشتغل على جعل الإنسان في قلب كل الرهانات

الأحرار: فخورون بحصيلة الحكومة ونراهن على ولاية ثانية.. رسالة قوية للأسود بعد ملحمة كان المغرب

فرحة عارمة تجتاح شوارع طنجة بعد تأهل المنتخب الوطني إلى نصف نهائي كأس إفريقيا

يجني المال الكثير... ويحصدون الأوهام والمعصية

يجني المال الكثير... ويحصدون الأوهام والمعصية

نوال قاسمي

 

الساعة تشير إلى الثامنة صباحا...المكان عيادة أو كهف "سي عبد الرحمان" الفقيه... طبيب لا يحمل شواهد جامعية... متعدد الاختصاصات...

 يقصد _زاوية الشريف_ الفقراء والأغنياء...'_فقيه_ يفك السحر، يشفي الأطفال الصغار من الجعرة والكبار من التوكال، يصرع الجن، يقرأ الطالع عبر الكف حيث يتنبأ بالمستقبل، يصنع تعويذات تحمي حامليها من العين العكس، تعويذات تمنحهم هبة القبول لدى باقي الناس، شموع المحبة الخيوبة وحرق الشراوط، فك الثقاف..."وما إلى ذلك من أمراض اجتماعية وليدة الجهل والفقر والأمية والعوز والكبت والتخلف.

إن كان سحره شفاء أو حل لأمراض اجتماعية ونفسية، فمن الممكن أن يساهم في حل المشاكل السياسية والاقتصادية... سألت نفسي حينها: تراه قادر على حل مشكل البطالة والدين الخارجي والأزمة الاقتصادية؟ أو بإمكانه امتصاص غضب الشارع العربي ومساعدة الرؤساء للمحافظة على كراسي السلطة؟...

مجتمع بسيط يتكبد من الخيبة ما يكفي، جعل ملاذه الوحيد في الأوهام علها تشفي أمراضه الباطنية من كبث عوز حاجة فقر جهل ضعف إيمان... وجد ضالته في رجل مجذوب، لم يكن هذا الأخير 'عبد الرحمان المجذوب' الذي تختزنه الذاكرة والتاريخ المغربي، بل كان رجلا أفاقا يحمل نفس الاسم لكن لا يبث له بصلة.

انه "السي عبد الرحمان الشريف" أو الفقيه، كما يلقبه المضللون والجهلة وكل من يتبرك ببركته. أتباع آمنوا بقدراته الوهمية الخارقة، حيث كان ملاذهم الوحيد لتغذية جهلهم والهروب من خيبتهم. جعلوا منه وسيلة يستعينون بها من شر القضاء والقدر ومن مصائب الإفلاس وغيرها من مشاكل.

كان رجلا في عقده الخمسين، كثير الكلام... يتفوه بالعديد من الأكاذيب والترهات والحماقات...حيث قال لنا بتبجح: "أنا شريف زهري من يداي الاثنتين والسترة..." ولم يخجل شيئا عندما كشف لنا موضع سترته... بهدف إقناعنا بقدراته الخارقة، وأضاف "أنا مسكون تيسكنوني جنيان عيشة وحمادي..."

إنه إنسان ماسوشي وسادي... يختبأ في ثوب حمل وديع، نحيف الجسم وقصير القامة، ذوا ظهر مقوس، وجهه شاحب ممتلئ بتجاعيد البؤس. طغى اللون الأحمر على بياض عينيه اللئيمة، كما أن قلة النوم والإرهاق جعلتا محيطها ممتلئ بالهالات السوداء. يضع نضرات قديمة سمك زجاجها شبيه بقعر"كؤوس حياتي" النادرة، شفاهه زرقاء وأسنانه صدئة. يرتدي ثيابا رثة وخفيفة في فصل الشتاء، حيث يقشعر بدنه ويتقوس ظهره من شدة البرد. يأكل وجبة واحدة أو وجبتان خلال اليوم، ولا يتناول الطعام حتى يتضور جوعا.

ورشة اشتغال "سي الفقيه" هي غرفة صغيرة، تحتوي على أريكة قديمة متهرئة الجوانب. وحصيرة صغيرة مأكولة الحواشي، أصبح لونها باهتا. كذلك فقدت شكلها الطبيعي، وأخذت شكل دائرة عوض مستطيل. يبدوا أنها تعرضت لهجوم من لدن قبيلة الفئران التي تشاطره نفس المسكن، وتعترض على نوعية وكم الطعام غير الكافي... أما طاولة الجلوس، فتتكون من كرسي قديم تبث بمسامير صدئة. وأريكة قديمة كلها رقع ربما أعيد خياطتها بأسمال بالية. بالإضافة إلى وسادة متسخة مقطعة ومليئة بالجوارب وأكمام الملابس القديمة، عموما إن الأثاث البائس يعود للعصور الوسطى.

أما عدة الشغل التي يستعملها في أعماله الخبيثة والإجرامية، فهي عبارة عن وسائل بدائية ضمنها 'شموع بيضاء وحمراء وصفراء وسوداء، حبر أسود وريشة قديمة، أوراق صغيرة على شكل مستطيل، سلة بيض و"اللدون"، مياه في قارورات متسخة يقشعر البدن لرؤيتها، ولون هذه المياه يختلف من قارورة لأخرى، فهذه تحمل اللون الرمادي وأخرى البني. إضافة إلى قارورات أخرى مملوءة بمياه لونها شبيه بسائل البول... وأغراض أخرى يبدوا أنها آثار مأخوذة من ضحاياه.  

يبدوا المكان موحشا وقديما شبيه بمغارة مهجورة تعود للزمن الأول، متسخ وكأنه غار فئران بحيث "تسكنه عيشة قنديشة" على حد تعبير الجيران. الجنية تمنع "السي عبد الرحمان" من النظافة والأكل والشرب، كذلك تنظيف المرحاض الذي تنبعث منه من حين لآخر رائحة كريهة، إضافة إلى رائحة الصرف الصحي. تمتزج الروائح بعضها ببعض فتعطي رائحة ممقوتة تخنق وتحرق العينين.

إن هيئة "الشريف السي عبد الرحمان" وتقاسيم وجهه تنم عن الفقر والعوز. فرغم أنه من الأغنياء لكن مظهره لا ينم عن ذلك، فهو لا يملك العمارة التي يسكنها فحسب بل مالك لعدة عقارات... لم يرثها عن أجداده... وإنما جنا المال عبر نصبه على أصحاب العقول البسيطة والساذجة، لكن لازال إلى يومنا هذا بئيسا وبخيلا... ولم يغادر جلباب أبيه الرث...لازال يعيش وأسرته الفقر المدقع والتقشف.

يجني المال الكثير نظير خدمات وهمية... يقول: "أسخر الجن لخدمة الإنس ولا آخذ سوى الباروك، المهم الحاجة راه مقضية..." يدعي أنه غير مادي والعكس صحيح، فهو يقدم خدماته الوهمية نظير مبالغ مالية باهظة أحيانا. ويتم تحديد التسعيرة حسب نوع الخدمة كذلك نوعية الزبون. إنه رجل بخيل ينفق القليل من المال، ويعشق النقود ولا يحب الهدايا، يقول: 'لا حاجة لي بالهدايا... فمطالب الجن كثيرة، ويتطلب ذلك المال الكثير...' وقد جاء على لسان زبونة ممتعضة منه: 'إن هذا الأفاق الطماع لا يتمتع بأغلب الهدايا المقدمة إليه بل يبيعها...'

يطلق بخورا ربما يحتوي على مادة مخدرة، تشعر الوافدين بالذهول والاسترخاء. آنذاك يردد أتباعه أو سماسرته "راه خدمة مزيانه وخط دايز الكلام..." وبعض جيرانه السذج يتبركون به، يرددون"إنها بركات الزاوية ورجالها..." ويقولون "طالبين التسليم أ رجال البلاد أ هل المكان..." عبارات سخيفة تدل عن تخلف وجهل محيطهم.

إذا قمنا برصد ظاهرة الشعوذة والممارسات اللا أخلاقية اللصيقة بالمجتمع المغربي في _الدولة الحديثة_، وذلك عبر استطلاع للرأي واستقصاء آراء الزبناء... خارج مدار الزاوية... مؤكد أن المعادلة ستكون معكوسة. ولا شك بأن غالبية الوافدين سيعلقون' إن السحر والشعوذة خطر عظيم ... وخدمات إن دامت فيزول مفعولها خلال يومين أو ثلاثة أيام، لأن الله يبطل مفعولها، ويحذر منها كذلك يشدد في حكمه على السحرة والمشعوذين...' سيستنكرون هذه الأعمال ويدينون 'الزاوية وأتباعها' معززين وجهة نظرهم بقوله تعالى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] لكنهم يشجعون هذه الممارسات بشكل خفي ما يسهم في تفحل الظاهرة.

يبدوا أن أغلبية النساء الوافدات على الزاوية... متخفيات في عباءات سوداء وألوان داكنة... وكأنهن في حفل تنكري، تضعن نظارات سوداء...، بوجوه وملامح كئيبة... ينتظرن دورهن على أحر من جمر ...للتخلص من العار والذلة... علما أن غالبية نساء الطبقة الراقية والجالية المغربية المقيمة بالخارج تقضي أغراضها عبر الهاتف...وبالمقابل يقدمون حولات من المال تحول مباشرة إلى الحساب البنكي لسي عبد الرحمان.

تجمعات يلتقي فيها الطالح بالصالح والفاشل بالفالح... كل يلغوا بلغوه... هذا يبكي همه...وذاك يبث شكواه...أما البعض الأخر، فيحللون ويناقشون أمور السياسة والصحة بالقليل من العلم والكثير من الإدعاءات الساذجة... كذلك يجتهدون في إسداء نصائح مجانية عجزت وزارة الصحة عن تقديمها للمواطنين.

هنا تلتقي الأضداد جميعها، تختلط العقول ويمتزج عبق العطور العالمية برائحة 'الريفدور' أو رائحة الثوم والبصل القرنفل... الثقافة بالأمية، العلم بالجهل، الفقر بالغنى...و كل التناقضات في شخص شقين، خادمات البيوت الشقيات وسيدات المجتمع الراقي... تحملن ضمائر مستثيرة أو غائبة، الغلبة فيها للعار لا للنور...

  يبدوا المكان ممتلئ على آخره... الكل ينتظر بترقب... أخيرا وبعد طول انتظار يخرج الشريف من غرفته بخطى ثابتة. يلقي 'السي عبد الرحمان' التحية على زبنائه ويطمئن على أحوالهم، وضمن الوافدين من يعرفه عز المعرفة، بل أدخل واجب الشريف ضمن مصروفه الشهري أو الأسبوعي. والغريب في الأمر أن زيارة الشريف لم تعد حكرا على النساء فقط كما هو متداول في مجتمعنا، بل إن معشر الرجال أيضا يقصدونه حيث يدخلون عبر باب آخر، وكأنهم يبتاعون سلعة من المتجر اللصيق 'بالزاوية'.

أغنياء وفقراء يتوافدون على عيادة الشعوذة، طمعا في تحقيق الوعود الكاذبة... وضمنهم هؤلاء الزبناء بؤساء وأشقياء ساقهم الحظ العتر لمصاص الدماء... فقراء لا يتوفرون على قوت ليلتهم... ولا يتناولون اللحوم الحمراء إلا في الأعياد والمناسبات العائلية... لكن رغم معاناة العوز والحرمان... يحاولون إشباع أطماعه وتحقيق مطالب لا تنتهي. ولو إن كان الأمر على حساب ربط الأحزمة على البطون الفارغة كي لا يصابوا بالجوع ... فيهدونه قرابين وأضحية من ذبائح أكباش وثيران دجاج أسود كقربان حسب طلب الجن...، يضعها في مخزن بالسطح في محل سكناه. ويشاع أن المشعوذ لا يقدم الذبائح للأسياد، وإنما يحملها في الصباح الباكر لبيعها ويقبض ثمنها...

 

 

 

 


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة