هشام فكيري
رغم ما أثارته قضية الإسباني دانيال مغتصب الأطفال المغاربة من غضب و سخط شعبي كبير إلا أنها حملت بين ظهرانيها خيرا كبيرا للمغاربة . لقد كشفت هذه القضية عن مجموعة من الخفايا و الحقائق . و أزالت أقنعة كثيرة . و استطاعت التمييز بين الذين يحملون في دمائهم معنى الوطنية و الكرامة و الشرف و المبادئ و الأخلاق و القيم الإنسانية المثلى و بين من لا يحمل شيئا من ذلك . ليتحقق بذلك قوله تعالى ( و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم ) .
انكشف الغطاء على مجموعة من المنظمات و الجمعيات التي لطالما ادعت الدفاع عن حقوق الإنسان و عن حقوق الأطفال .لم نسمع لها حسا عقب العفو الملكي على مغتصب الأطفال بل إن بعضها دافع عن هذا العفو كجمعية " ماتقيش ولدي " التي لم تجرؤ رئيستها على التنديد بهذا القرار في إحدى المقابلات التليفزيونية و اكتفت بالحديث عن إنجازات هذه الجمعية في الماضي . و بذلك يكون الهدف الأول لهذه المؤسسات هو كسب ود الحاكم و التملق إليه أكثر ما يمكن حتى تنال الرضى و العطف . و هي بأي حال من الأحوال لا تدافع لا عن الأطفال و لا عن حقوقهم . و الغريب في الأمر أيضا أن إحدى مجموعات المعطلين الحاصلين على شواهد جامعية ، التي لم تخرج للمطالبة بحقوقها في الشارع منذ سنة و نصف تقريبا ، تذكرت أن لها مطالب و خرجت تنادي بها في نفس التوقيت الذي نزلت فيه إلى الشارع مجموعة من الشباب للتنديد بالقرار الملكي القاضي بالعفو على البيدوفيلي الإسباني . و يبدو أن الهدف من ذلك ليس المطالب في حد ذاتها و لكن التشويش على من خرج يدافع عن كرامة الطفولة المغربية . إن أمثال هذه المجموعات و الجمعيات التي تدور في فلك الحاكم الذي يملك القوة تجلب الذل و العار لهذا الشعب التواق للكرامة و المتعطش للحرية .
و من حسنات هذا العفو أيضا أنه كشف أن الحكومة ليس لها العلم بكثير مما يحصل في البلد فالرميد وزير العدل و الحريات ليس له أي دخل في مسألة العفو . و الأسوأ أنه اعتبر أن الإفراج عن المجرم الإسباني يدخل في إطار العلاقات و المصالح الثنائية بين المغرب و إسبانيا . و لم تهتز نفسه غيرة على كرامة الأطفال المغاربة . أما زميله الخلفي الناطق الرسمي بإسم الحكومة فقد أخلى مسؤوليته بالكامل حين قال بأنه لا علم له بهذا الموضوع . و إذا سألت عن رئيس الحكومة السيد بنكيران فهو خارج التغطية . لا يمكن رؤيته غاضبا إلا عندما يعنف المغاربة المستضعفين و يعلمهم القانون أو عندما يواجه خصومه السياسيين . أما ما يسمى بالأحزاب السياسية فهي نائمة في سبات عميق هذه الأيام لن تصحو حتى يحل موعد الحملات الإنتخابية القادمة .
لقد أصبح مطلب إستقلال القضاء مطلبا ملحا . فالكل يجب أن يكون متساو أمام قضاء عادل و نزيه بعيدا عن كل أشكال الفساد . أما المطلب الذي رفع منذ مدة و ازدادت قوته بشدة بعد هذا الحادث الذي ألم بكرامة الإنسان المغربي فهو إقران المحاسبة بالمسؤولية . لا يجب أن يكون مسؤول دون محاسبة تمنعه من ارتكاب أي أفعال تسيء للمصلحة العامة أو حتى التفكير في ذلك .
لم يعد مجال للشك أن المغرب يحتاج إلى مجهودات كبيرة جدا للتخلص من ضياع كرامة مواطنيه . و البداية يجب أن تكون من إصلاح مؤسسات الدولة و تصفية كل أشكال الفساد و البث فيها لكي تقوم بدورها في توفير كل المتطلبات الضرورية التي تصون كرامة المواطن المغربي . و توفر له كل مستلزمات العيش الكريم من تعليم جيد و سكن لائق وتغطية صحية مضمونة و توفير فرص عمل للشباب المغربي . و كل ذلك من أجل أن يتجاوز المغاربة التفكير في الحصول على حقوقهم و بدء التفكير في تحقيق أحلامهم .
