رشيد أخريبيش
معاناة المغاربة مع الاحتلال الاسباني لم تنته بعد ، والمحتل مازال يمارس أبشع الممارسات في حق الشعب المغربي في المدينتين المحتلتين ، فالاحتلال التقليدي المباشر الذي تخلصت منه الشعوب منذ عقود مازالت الأراضي المغربية تعاني منه إلى حدود الآن دون أن نسمع من الحكومة المغربية أي حديث أو أي رد فعل تجاه معاناة الشعب اليومية مع الإحتلال ، خاصة وأن الأمر يتعلق بالمس بكرامة المواطنيين الذين يتم إهانتهم على أرضهم .
سلطات الاحتلال الاسباني لم يكفها احتلال الأرض ، ولم يكفها العمل على طمس هوية الأراضي المحتلة ، ولم يكفها فرض التأشيرة على المواطنين دون أي وجه حق، بل تعدت ذلك إلى محاولة الانتقام من المواطنيين المغاربة عبر التصفيات الجسدية والاعتداءات اليومية التي تظهر وبجلاء همجية الاحتلال الذي عاث في بلاد المغرب فسادا ، وما القمع والتنكيل اليوميين بالمدينتين المحتلين إلا دليل على وحشية الاحتلال الذي سيبقى بمثابة وصمة عار في جبين الحكومة المغربية التي طالما التزمت الصمت على تجاوزات الاحتلال .
لم يكن حادث الاعتداء على مواطنة مغربية في باب مدينة مليلية المحتلة والتي تعرضت للضرب المبرح من طرف عناصر الحرس المدني للاحتلال أمام أعين الكاميرات، سوى صورة مصغرة لعشرات الاعتداءات التي تحدث يوميا على المواطنين في صورة تؤكد أن الاحتلال الاسباني في21 لا يقل وحشية عن الاحتلال التقليدي ، خاصة مع تزايد عدد التجاوزات التي يرتكبها المحتل في حق أبناء الوطن الذين عانوا الأمرين مع محتل مغتصب للأرض والهوية .
لا شك أن ما تقوم به سلطات الاحتلال في مدينتي سبتة ومليلية وفي الجزر المغربية المحتلة من اعتداءات بالجملة على المواطنين، وما تقوم به في حق البحارة المغاربة الذين يمارسون الصيد الساحلي والذين يتم إعتراض سبيل قواربهم وتفتيشها بدعوى محاربة المخدرات والتهريب مع العلم أنها هي من لها اليد الكبرى في كل تلك الاتهامات الموجهة، كله عبارة عن رسائل سياسية من سلطات الاحتلال إلى الدولة المغربية لمنعها من التفكير في المطالبة بالمدينتين المحتلتين أو المطالبة بالجزر التي ماتزال تحت سيطرة الاحتلال إلى حدود الآن أو على الأقل جعل المغاربة يتراجعون عن حقوقهم المشروعة التي يضمنها لهم التاريخ والأرض والقانون الدولي.
غالبا ما تتخذ دولة الاحتلال الاسباني العديد من الإجراءات الجزرية في حق المواطنين المغاربة في إطار حملتها الممنهجة التي تسعى من خلالها إلى تثبيت أقدامها على الأرض المغربية ومحاولة الانتصار على كل الأصوات التي تطالبها بالرحيل وتصفية الاستعمار التقليدي ،حيث لا زالت تتعامل بنفس المنطق الذي تعاملت به عندما كانت تحتل كل الأقاليم الشمالية عبر استعمال المقاربة الأمنية في حق كل من يطالب بحقوقه المشروعة .
مرارا وتكرارا نتم بتوجيه سهام النقد لدولة الاحتلال الاسباني التي طالما ارتكبت أبشع الجرائم في حق المواطنين المغاربة وطالما رفضت الاستجابة لمنطق تصفية الاستعمار ، لكن ماذا عن حكومتنا المغربية التي ينتظرها الشعب أن تكون في مستوى تطلعات الشعب الذي يطالب أن يرفع عنه الظلم ، وتعاد له الكرامة داخل وطنه المغتصب ، وسط صمت قاتل من طرف الحكومة التي يبدو أنها لا تتفاعل مع تلك الأحداث التي تقع في الأراضي المحتلة والتي تستغلها دولة الاحتلال لكسب مزيدا من الشرعية لاستمرار سيادتها على الأرض ؟
يبدو أن الحكومة التي كنا ننتظرها أن تخلص المغاربة من المعاناة اليومية مع الاحتلال هي غائبة عن المشهد تماما كما كانت في السابق فلم نسمع من حكومتنا الغراء مايمكنه أن يظهر حرصها على التعامل بحزم مع قضايا الشعب المصيرية، والاستجابة إلى مطالب أولئك الذين عانوا الأمرين مع الاحتلال ، خاصة وأن هذا الأخير تجاوز كل الخطوط وأصبح يتعامل بوحشية منقطعة النظير تتكرر يوميا دون أن يكون ذلك محطة أنظار من طرف من هم على رأس القرار بالمغرب .
ربما يذهب البعض إلى تفسير موقف المغرب الرسمي القاتل على أنه راجع إلى عدة أسباب منطقية منها أن المغرب تربطه علاقات اقتصادية متينة بين البلدين ،لذلك لا يريد فتح هذه الملفات التي يمكن أن تؤثر سلبا على علاقات الشراكة بين البلدين ، بالإضافة إلى أن البعض يذهب أبعد من ذلك ليقدم قضية الصحراء على أنها السبب الوحيد الذي يجعل الحكومة المغربية لا تحرك ساكنا تجاه ما يحدث من تجاوزات في حق المواطنيين ، لكن كل هذه المبررات مهما كانت ومهما ثبتت فإنها لن تكون مقنعة أمام تلك الممارسات الوحشية لسلطات الاحتلال الاسباني في سبة ومليلية وفي الجزر المحتلة ، فكيف نراهن على العلاقات المتينة مع محتل مغتصب للأرض ، وكيف نراهن عليه في قضية الصحراء ، مع العلم أن دولة الاحتلال الاسباني على الداوم تقف في صف جبهة البوليساريو وتدعم موقفها الداعي للانفصال .
على الحكومة المغربية أن تعي جيدا أن المغاربة لن يمنعهم الوضع المتقدم في الاتحاد الأوروبي من المطالبة بحقوقهم ولن تمنعهم قضية الصحراء للمطالبة بحقوقهم في تصفية الاستعمار ، ولا حتى علاقات الصداقة التي غالبا ما تتخذها الحكومات المغربية كذريعة لعدم مطالبة سلطات الاحتلال للجلوس على طاولة المفاوضات معها ،أملا في ايجاد حل يعيد لهذا الشعب أرضه وكرامته المغتصبة .
