الحسين أربيب
أكتب لك يا وطني من خارج الحدود لأشاركك الهموم وأتقاسم معك الحسرة التي تعصر قلبك وقلبي وسط رياح عاتية تعصف بمواطنيك ،ففي كل وقت وحين تحزن وتئن من كثرة المحن ، فالعطالة باتت تؤثث شارع الرباط والهراوة روتين يومي وتمرين للقوة على رؤوس مثقفة أمام بوابة ممثلي الأمة ، وقمع الحريات ممارسة تتقنها أجهزالأمن بالمفهوم الضيق، وغياب الدولة وأجهزتها في كل ما يخص حقوق المواطنين واستجابتها لمطالبهم . والمعيشة ما عادت تطاق في وضع سوق لا رقيب فيها ولا حسيب يحكمها الأحتكار والمضاربة وارتفاع الأسعار حتى الحليب ما عاد في متناول أطفالنا الذين يعرفونه وربطوا معه علاقة تغذية اساسية أما الذين لا يعرفونه فتلك قصة أخرى وقضم ما تبقى من صندوق المقاصة خضوعا لأوامر صندوق النقد الدولي بالقدوم على رفع أسعار المحروقات وكل ما يترتب عليها من سلسلة من الزيادات في كل المواد والخدمات . .
بالأمس القريب كان العفو عن مغتصب الأطفال بقرار كاد يعري ما تبقى من ماء وجهك بين الأمم ، بعدما سقطت حكومة كانت مائلة منذ أول التعيين .واليوم ها هم يعيدون نفس اللعبة التي ما كانت تلهينا ، حكومة مع توليفة جديدة قديمة فيها حزب الحمامة التي لا تطير ، وهل الحرية ممكنة في أفق مقفول ؟ أم أن الإسماء الحزبية فيك يا وطني تطلق عن عواهنها لترسم خريطة تملأ الفراغ السياسي الذي أرادوه حتى لا يعي شعبك اللعبة وتجاويفها ويرمي بها في قمامة التاريخ ، لقد حرصوا على تجفيف وتجويف العقل المغربي من خلال مناهج تعليمية تعلم الحفظ والحفاظ على الواقع المر كما هو واعتبار الشعب أوباشا ، لذا وجب حشوه بتصورات وأوهام قرنوسطية ومفاهيم فيها انعدام طرح السؤال والقبول بما في القسمة المقسومة من حكم وخصم في نفس الآن. فالشعب المغربي لم يكن يوما يركع لأحد ولم يقدم الولاء لأحد ، ومهما تم تغليف ذلك بتركيبات تلبس لبوسا دينية وتأخذ طعم بهارات مستوردة ونكهات محلية ، كلها من أجل أن تنطلي عليك اللعبة وتنساق معها لتصير قطعة من الآلة الجهنمية التي اسمها المخزن ، التي استعانت بقدرات فكرية ولوجيستيكية من كوادر مرتزقة تحمل نفس علامة الصنع المخزنية كشهادة متعددة الإختصاصات السياسية و إلإعلامية وغيرها ، تقوم بتصوير واقع سياسي واقتصادي داخل استوديوهات النظام ، شعبا يرقص في المناسبة وبدونها ، ضمن لحن نشاز لتسويق صور حكم متناسق ومتناغم يلتقي فيه الحاكم بالمحكوم في لقطة هولوودية لتشكل استثناءا وسط بركة من أنظمة عربية وإفريقية ماؤها آسن ،وفي إطار هندسة سياسية في الواقع ما هي إلا نتائج تخطيط مدروس للهيمنة على آلة الحكم وتسخيرها لخدمة مصالح فئة ضيقة من ذوي النفوذ، مستعينة بأجهزة مزودة بكل أنواع العتاد ومختلف أساليب المواجهة المادية والمعنوية وتغطية ومتابعة إعلامية وتحركات لدوائر حزبية وجمعوية لها نصيب في الوضع القائم والإمتيازات الممنوحة لتجتهد وتجعل من مراكز القرار الداخلية والخارجية الصحفية والدبلوماسية والإقتصادية والسياسية والفنية مرجعية يصعب دحضها لما لها من الإنتشار الواسع والمصداقية التي ابتاعتها وصارت تحتكر الواجهات وتكتسح العقول لما لها من نفوذ سياسي و مالي واجتماعي وإعلامي ، ضمن إمبراطورية عالمية هدفها إخضاع الشعوب ومسخ هوياتها الفكرية والدينية والثقافية ونهب خيراتها عبر أنظمة محلية و مشاتل نخب تصنع في الخارج والداخل لإعدادها لخوض تجربة الحكم عبر مسميات وأقنعة تتلون كالحرباء مع المحيط السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي . .
فكلما كان التغييرالسياسي هدفا للشعب ومقصدا له سارعت الماكينة النظامية لصنع" قوالب "وانماط من سياسات في شكل قوانين دستورية وانتخابات شكلية مع تغطيات إعلامية فيها من التوضيب والإخراج والكثير من التقنيات التي من شأنها أن تنطلي على ذوي العقول البسيطة والتي لم تخبر حيل الأنظمة ودسائس السياسة . . يا وطني تراكمت عليك كل المشاكل وثقل الحمل فلم تعد قادرا على الحراك ، لأن عين الرقيب لا تنام والعديد منهم اشترى وباع فيك وسط الظلام ، بلا شفقة ولا رحمة ينهشون لحمك باسم الدين تارة وباسم الدستور تارة أخرى، وفي كثير من الأحيان دون تبرير لأنك ياوطني يعتبرونك كائن مستسلم وخاضع لهم يركبونك كما يركبون الدواب .أنت أيها الوطن تعي المرحلة التي تمر منها فتتريث لتحسم الأمر بلا دم يسيل وبلا قتلى في الشوارع ،لأنك تعلم قوة العسكر والبوليس ومدي شحنهم بعواطف الكره تجاهك وغسل أدمغتهم بأفكار مسبقة عن مواطنيك بأنهم يسعون لإزاحتهم من المناصب وتشريد عائلاتهم . في حين أنك تعلم أنهم كلهم أبناءك غير أنهم ملزمون للإمتثال للأوامر وإلا كان مصيرهم السجن أو القتل . . . وطني تعلم أن الطيور تهاجر وتعود لتتوالد وتتكاثر لكن هل تعود لتوضع في القفص؟ لم نهاجر حبا في افق غير أفقك ،بالرغم من انحساره في عيوننا ،ولن نرضا عنك بديلا فسماؤك لنا غطاء وترابك دواء ونسيمك بلسم وشفاء ، وطني أحلامنا بك تبنى ومن تضاريس جغرافيتك نرسم خرائط مستقبلنا ومستقبل أبنائنا، بك نلبس شخصيتنا وهويتنا عندما تتبارى الجنسيات وتتفاخر الأقوام . فيك وطني نجد ذواتنا عندما تتيه الذوات وتمسخ الهويات .أنت الروح أنت الأمل عندما يفقد الأمل. . وطني أرى الدمع في عيون طفولتك عند اقتراب الصيف والشتاء وفي كل الفصول وعند الدخول المدرسي الذي يشكل محطة من المآسي للأباء والأطفال على السواء، تلك العيون التي صارت تسقي الحقول فتنبت الأمل والبسمة في وجه زمن كادت تغيب فيه الشمس وسط النهار . في الصيف لا ظل ولا ظليل لهم في مدن وقرى البلاد وفي الشتاء مدارس على قلتها مفتوحة للبرد وتيار الهواء ، لا حدائق ولا أماكن لأطفالنا فتراهم يتمرغون في الغبار وبين ركام الأزبال التي أسندت مهام جمعها لشركات أجنبية،همها جمع المال وإرساله للبلد الأم.
وطني تمت الصفقة في دهاليز الظلام ورحلت الأرصدة وبقيت الأفواه تمضغ الماء والعيون لا ترى والعقول لا تفكر والجمود في كل النواحي كما لو خرجنا للتو من صدمة أو دخلنا فيها لا نعلم ما يجري ، الكل ينتظر ماذا؟ لانعلم ؟ من يعلم إذن؟. لو جمعت كل الكلمات يا وطني لن اعبر لك عما بداخلي من حب وامتنان لحد لا يوصف بالكلام مهما توفرت البلاغة والبيان لأن تربتك ورائحتها لا يعرفها إلا من تمرغ فيها وترعرع بين دروبك وركض في أزقتها الضيقة .لأنك وطني أعطيتني رغم الحراس بيد سخية حظا في التعلم في مدارس عمومية قبل أن تمتد له يد الإستغلال وتخصخصه، وترحل كل ما تبقى من أطره لتحلب به جيوب المواطنين المسالمين الذين لا يطالبون بحقوقهم . نعم وطني التعليم أصبح تعتيما فلا معرفة ولا تربية سوى ضياع أطفالنا بين مناهج مستوردة وممسوخة لا ترسم مستقبل بلادنا إلا بالسواد ولا تفتح أبوابه إلا على إتجاهات غير آمنة ، وطني لو كتبت كل الرسائل التي في قلبي لملأت صفحات وصفحات، ولكن التاريخ لن ينسى ما لم أذكره ،خوفا من الرقيب ، وسيحاسب المسؤولون عن كل تقصير في حقك وحق مواطنيك . و" سيعرف الذين ظلموا أي منقلب ينقلبو ن".
