حذيفة أعبيا
لا يمكنني تسمية الحراك الذي عرفته بعض الأمصار ولا تعريفه بمصطلح الثورة ، انما هو انفجار تأتى نتيجة الاحتقانات التي تعرفها مجموعة من المجتمعات ، وما نراه الآن ما هو إلا مثال بسيط عن هيجان كان سببه ضغطات مكدسة . ان للثورة معنى مخالفا عن ذاك الذي أخذت الألسنة في تداوله بعدما قامت باستقطابه من بعض وسائل الاعلام ، والتي أجد أن معظمها تفتقر الى ثقافة شاملة وملمة لما يسمى بعلم المصطلح ، فلكل مصطلح أبعاد وحيثيات ومعان عميقة ، فالثورة على سبيل المثال هي كلمة تحمل في أحشائها مغزى جذريا راديكاليا ، فهي عبارة عن ذاك التغيير الذي لا يمكن بلوغه إلا عن طريق انشاء قواعد وأسس أخرى من جديد ، حيث لا تجمعها أي صلة بين العهد الذي مضى.
ان الثورة مصطلح قائم بذاته ، اذ يفسر نفسه بنفسه ولا يحتاج تدخل كائن من كان حتى يعمل على توضيح مفهومه ، لهذا فجل الخطابات السارية في أيامنا هذه ، والتي تريد اقناع الشعوب النامية بأننا نعيش فترة ثورات وتغيير ، ما هي إلا تحصيل حاصل كان المراد منه تمرير مجموعة من المغالطات لهؤلاء الشعوب ، وفي مقصدها أن تجعلهم يخوضون في غمار خضم ، ما اكتنز عمقه إلا على فتن واقتتال بين الاخوة .
لقد صارت العقول خدرة ، ولم يعد بمقدورها أو مستطاعها التفرقة بين المصيب والمخطئ ، بين الحقيقة والسراب ، بين الثورة بمعناها الحقيقي والتي هي كلمة ذات مفهوم راق خال من العبث ، والفوضى التي ما هي إلا اعتباطية وهرج ومرج. ان الوقائع التي ننظر اليها اليوم ببصائرنا ، والتي يروج ويسوق لها أنها نقط تحول ما هي إلا افتراء ، وأن المقولة التي أصبح معظم الناس منضوين تحت لوائها * تحقيق الثورة حرية للشعوب * ما هي الأخرى إلا هراء. لا أظن أن شخصا من الذين لديهم القدرة على تحليل الأحداث ستنطلي عليه الحيلة، فيوافق على تسمية ما يجري بغير تسميته ، كأن يدعوها ثورة ، لأنه حتى وان فعل فلن يكون إلا من اولئك الأشخاص الذين استغلوا ثقافتهم من أجل الركوب على جهل البقية قصد تحقيق مآرب معينة ، اذ يستحيل أن تخلو رغبة شخص يسمي ما يقع بالثورة من المصلحة ، فبقاء الأمور على حالها مبهمة يخدم مصالح الكثيرين ، وللأسف منهم اولئك المثقفون الذين قمنا بالرهان على ما يتوفرون عليه من وعي وحس بالإنسانية .
صدقوني ان قلت لكم أن تصوري لما أشاهده على شاشات التلفاز ، ما هو إلا قتال وعنف متبادل والذي قادنا الى لقب ذي ارث أدبي قديم ألا وهو –الاخوة الأعداء- ، فقد أصبح الناس مجردين من أحاسيسهم ومشاعره الانسانية ، يعتقد كل معسكر منهم أنه المحق وأن الانتصار في سبيل القضية أمر نبيل ، لكنهم غافلون عن عين الحقيقة التي تقول عكس ذلك وترى أن الجميع خاسرون ، بمن فيهم اولئك الذين يدعون الدفاع عن حقوقهم ، لأن ما بني على عنف لن يكون مصيره في النهاية إلا الهلاك والخراب ، فانتهاك القيم والمبادئ والأخلاق هو بمثابة موت للإنسانية ، وبما أن للإنسانية قدرا يحتم عليها بأن تموت على هذا النحو ، ففيم تفيدنا المكاسب ؟
