عبد السلام جليط
احيانا كثيرة يجلس الانسان مع نفسه ويبدأ بالتامّل في العالم من حوله وهو يتحرك بطريقة شبه كاريكاتورية، ادميون كثيرون في الشارع العام جيئة وذهابا،مسرعون ، مهرولون، كأنهم يفرون من شبح مخيف، او ماض مزعج، ويتجهون صوب لقاء مهّم لا يمكن تفويته...أبواق السيارات ترتفع فجأة دون سابق انذار، تتبعها كلمات السخط والتذمر والعربدة وهي تتطاير من نافذة السياقة...يبدأ السب والشتم بلغة الشارع طبعا..اظنكم تحفظون هذه الكلمات عن ظهر قلب ،لا حاجة كي اذكركم بها...يسب الانسان كل شيء من حوله، ويكون لزاما وضروريا ان يقحم "الحمار المسكين" في هذا المشهد الرديئ... حتى "الحمار" لم يسلم من لسانهم المتسلّط ، انه المشهد الذي يتكرر باستمرار ولا احد يعبث للامر..في الشارع العام، في المقاهي، الاسواق ، حتى في مساحات الترفيه على قلتها...وكأن المدينه خاوية ، سائبة، بل وكأنها الغابة، غابة الامازون طبعاً..اوقفوا هذا العبث رجاءاً..الا يوجد احد داخل الطائرة ؟؟
تعود بي الذاكرة مسرعة نحو شرفة المقهى في الطابق العلوي، حيث جلست قُبالتي فتاة في ربيع عمرها، وقد حرصت على تسريح شعرها بعناية فائقة فيها أكثر من نداء وأكثر من دعوة سرية لارتكاب الخطيئة...وهي ترتشف بحماس شديد سيجارة "المالربورو" وتنفث دخانها باستمتاع كبيرمن الشرفة نحو الشارع العام..ها قد جاء النادل ووضع امامها فنجان قهوة داكنة السواد..قلت لنفسي حينها، إنها ليلة "بيضاء" دون ادنى شك...فالاستعدادات على اهبها ،وملامحها المترهلة والعبوسة تشي بأن صبرها قليل...
فيا ترى من القادم، ومن سيخلصني من دخان سيجارتها المزعج ؟ ام انه لا يوجد احد في المدينة ؟ تستمر في الانتظار واستمر معها انا ايضا في الترقب..فانا عدو الانتظار حتى عندما يكون احدا غيري ينتظر...
رفعت رأسي عن دفاتري ونظرت من شرفة المقهى صوب الشارع المؤدي الى وسط المدينة، لقد خفّت حركة المارّة شيئا فشيئا، لا تزال سوى فئات بعينها في الخارج،لا تلبث الا دقائق معدودة حتى تبتلعها دروب المدينة الديقة لتضرب لها موعد مع السيد النوم الهُمام وراء ذاكرة النهار المضنية... واخرى تتراوح بين من ينتظر شخص؛ صديق او قريب..وبين من ينتظرن على قارعة الطريق...ينتظرن وفقط..قد يأتي احد او لا يأتي..
وهناك امثالي من المهووسين بالانصات لنَفًس المدينة، وهم بين كتب الفلسفة والدين، العلم والادب..على شرفات المقاهي.. بالشارع العام.
طال انتظارها وقد اقبل النادل "لجمع المقهى" فنفثت دخانها نحوي هذه المرّة، وحملت حقيبتها الجلدية وقد ارتسمت على محياها علامات الامتعاض والشماته، كانت تخفيها وراء ابتسامة مزيفة في وجه المرآة..وآآسفاه...ثم انسحبت كالمهزومة تجرّ ورائها ذيول الخيبة..
غادرت المقهى وكلها حسرة على فنجان القهوة، لقد كانت تنتظر من يدفع الثمن بدلها ويزيد من فضله، فخاب ظنها وغادرت دفئ المقهى صوب قارعة الطريق لتنتظر مع طابور الانتظار...تنتظر وفقط، قد يأتي أحد او لا يأتي الى الابد..
دفعتُ ثمن القهوة الرديئة وحملت دفاتري ثم انسحبت في صمت شديد ، وانا استمع لعزيزة جلال وهي تردد في اذني وتهمس لي بأغنيتها العذبة " مستنياااااااااك".
فانتظر...انه قد يأتي،من يدري ؟؟
